أكد المحامي الحقوقي خالد علي، أن قرار وزارة العدل رقم 896 لسنة 2026، القاضي بتعليق الاستفادة من 34 خدمة حكومية للمحكوم عليهم في قضايا النفقة حتى سداد المديونية المستحقة، يمثل تأكيدًا لفلسفة عقابية بدأت في مصر منذ عام 2015، وقد يثير نقاشًا واسعًا حول طبيعة القرار القانونية وآثاره الاجتماعية والسياسية ومدى ترسيخه لفلسفة عقابية وأن يبدو المشروع المصري لنموذج عقابي متدرج.
القرار ليس ابتكارًا بل استمرار لفتح الباب للجزاءات الإدارية
وتابع: “لا يمكن القول ببساطة إن القرار الإداري اختلق عقوبة جديدة من العدم، إذ إن المشرّع نفسه فتح الباب لهذا النوع من الجزاءات حين أجاز وقف الخدمات الحكومية كوسيلة ضغط على الممتنع عن الوفاء بحقوق النفقة”.
وأكمل: “غير أن وجود أصل تشريعي للقرار لا يعني تلقائيًا أن كل تطبيق إداري له يصبح بمنأى عن النقد، أو أن السلطة التنفيذية تملك التوسع فيه بلا حدود أو ضوابط، فالمسألة الحقيقية ليست فقط في وجود السند القانوني، بل في حدود هذا السند، وطبيعة الخدمات المشمولة بالوقف، وضمانات التناسب، ومنع التعسف، واحترام الحقوق الدستورية الأساسية”.
وأضاف: “حقوق النفقة ليست التزامًا ماليًا عاديًا، بل تمثل في كثير من الأحيان موردًا لازمًا للمعيشة والحياة الكريمة للزوجة أو الأبناء أو المستحقين، ومن ثم فإن تشديد أدوات إلزام المدين بالسداد يمكن فهمه في إطار حماية الطرف الأضعف ومنع التحايل على الأحكام القضائية”.
أكد: “لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول وسيلة التنفيذ إلى آلية عقابية ممتدة قد تتجاوز غرض استيفاء الحق، وقد يكون حرمانه من هذه الخدمات يؤدى إلى تعجيزه عن الوفاء بالدين وليس العكس، لتصير أقرب إلى نظام للعقوبات الإدارية المتراكمة التي تمسّ مجالات متعددة من حياة المواطن، وربما تعوق قدرته نفسها على الكسب والسداد”.
ضرورة تمييز الضغط المشروع عن التوسع العقابي غير المتناسب
وذكر: ” وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الضغط المشروع لتنفيذ حكم النفقة، وبين التوسع العقابي غير المتناسب، فإذا كان وقف بعض الخدمات المرتبطة مباشرة بالمعاملات غير الأساسية قد يدخل في نطاق الوسائل المشروعة للضغط، فإن التوسع إلى عدد كبير من الخدمات من دون تمييز دقيق قد يثير شبهة الإخلال بمبدأ التناسب، خصوصًا إذا مسّ خدمات لازمة للحياة اليومية أو للعمل أو العلاج أو استخراج أوراق أساسية، فليس كل حرمان من الخدمة يؤدي إلى السداد، بل قد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، بأن يزيد تعثر المدين ويجعله أقل قدرة على الوفاء بما عليه”.
وأشار إلى أن العقوبة حتى عند وجود سند قانوني يجب أن تظل محكومة بمبادئ دستورية راسخة مثل الضرورة والتناسب والوضوح والتحديد، مع وجود آليات سريعة للتظلم ومراجعة دورية للقرار، لضمان عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة والتوسع في العقوبات الإدارية على المواطنين.
نقد القرار واجب لحماية سيادة القانون ومنع التوسع في العقاب
قال إن الدفاع عن حقوق مستحقي النفقة واجب قانوني وأخلاقي لا خلاف عليه، لكن هذا الهدف المشروع لا ينبغي أن يفتح الباب لتكريس نموذج إداري يقوم على الإخضاع المعنوي للمواطنين عبر سلاح الخدمات العامة، موضحاً أن الدولة القانونية لا تُقاس فقط بقدرتها على إلزام الأفراد بالأحكام، بل أيضًا بقدرتها على فعل ذلك دون انتهاك التناسب، ودون تحويل الاستثناء إلى قاعدة، ودون استنساخ نماذج رقابية تجعل من الحقوق أدوات تأديب.
أكد علي، أن السؤال الذي يجب طرحه ليس ما إذا كان الامتناع عن النفقة يستحق مواجهة حاسمة، فالإجابة نعم، بل: ما هي حدود هذه المواجهة؟ وهل تظل في إطار تنفيذ الأحكام وحماية المستحقين، أم تنزلق إلى تأسيس بنية أوسع للعقوبات الإدارية المقنعة؟.
وأضاف علي أن نقد القرار واجب، لا لأنه ينكر حق أصحاب النفقة، بل لأنه يدافع عن فكرة أعمق: أن سيادة القانون لا تتحقق فقط بمعاقبة الممتنع، بل أيضًا بمنع السلطة من التوسع في العقاب على نحو يهدد حقوق الجميع.
القرار يفتح الباب لفلسفة جديدة في تصنيف المواطنين وربط الخدمات بالامتثال المالي
وأوضح أن خطورة هذا القرار لا تقف عند نطاق قضايا النفقة وحده، بل تمتد إلى ما يمكن أن يؤسس له من منطق تشريعي وإداري جديد في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن: منطق تصنيف المواطنين بحسب مدى امتثالهم المالي أو القضائي، وربط تمتعهم بالخدمات العامة بسلوكهم الشخصي أو مديونياتهم، مشيرًا إلى أن هذه الفلسفة العقابية تبناها المشرع المصري في قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015 عندما رتب 9 آثار خطيرة على إدراج المواطنين على قائمة الإرهابيين:
1 – الإدراج على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، أو منع الأجنبي من دخول البلاد.
2 – سحب جواز السفر أو إلغاؤه أو منع إصدار جواز سفر جديد أو تجديده.
3 – فقدان شرط حسن السمعة والسيرة اللازم لتولي الوظائف والمناصب العامة أو النيابية أو المحلية.
4 – عدم التعيين أو التعاقد بالوظائف العامة أو بشركات القطاع العام أو قطاع الأعمال العام، بحسب الأحوال.
5 – الوقف عن العمل مع صرف نصف الأجر.
6 – تجميد الأموال أو الأصول الأخرى المملوكة للإرهابي، سواء بالكامل أو في صورة حصة في ملكية مشتركة، والعائدات المتولدة منها، أو التي يتحكم فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، والأموال أو الأصول الأخرى الخاصة بالأشخاص والكيانات التي تعمل من خلاله.
7 – حظر ممارسة جميع الأنشطة الأهلية أو الدعوية تحت أي مسمى.
8 – حظر تمويل أو جمع الأموال أو الأشياء للإرهابي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وحظر تلقي الأموال أو تحويلها وكذا غيرها من الخدمات المالية المشابهة.
9 – وقف العضوية في النقابات المهنية ومجالس إدارات الشركات والجمعيات والمؤسسات وأي كيان تساهم فيه الدولة أو المواطنون بنصيب ما ومجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية وأي كيان مخصص للمنفعة العامة.
مقارنة مع قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015 وآثار الإدراج
وأشار علي إلى أن قرار الإدراج يصدر في غيبة المواطن ودون أن يسمح له ولمحاميه بتقديم أي دفاع، حيث تقدم النيابة طلب الإدراج لمحكمة الجنايات المنعقدة في غرفة مشورة، وتصدر قرارها بدون إعلان أو حضور المواطن ومحاميه، ولا يعلم المواطن بالقرار إلا عند نشره بالجريدة الرسمية، ويتم تطبيق هذه الآثار عليه فورًا، ويكون له حق الطعن بالنقض على قرار الإدراج خلال 60 يومًا من نشره.
وأضاف علي أن هذه الفلسفة العقابية تذكّر بملامح تجربة “التصنيف الاجتماعي” في الصين، حيث استُخدمت أدوات إدارية ورقمية لفرز المواطنين وتقييد بعض حقوقهم أو خدماتهم استنادًا إلى تقييم سلوكهم ومدى امتثالهم وولائهم، مشيرًا إلى أن الحالة المصرية لا تطابق النموذج الصيني من حيث البنية أو الأدوات التقنية، لكن التشابه يكمن في الفكرة المؤسسة نفسها: تحويل الخدمات العامة من حقوق ينظمها القانون إلى أدوات ضغط وتأديب اجتماعي وإداري، وهو ما يفتح الباب لتقارب الفلسفة العقابية المصرية مع الفلسفة العقابية الصينية.
وأكد علي أن موضع القلق الحقيقي يكمن في أن تعوّد الدولة على استخدام الخدمة العامة كوسيلة للردع قد يسهل مستقبلاً توسيع هذا المنهج على فئات أخرى وتحت مبررات مختلفة، من النفقة إلى الديون، ومن الديون إلى مخالفات أخرى، حتى يصل المجتمع تدريجيًا إلى نظام تُدار فيه الحقوق الأساسية بمنطق “الاستحقاق المشروط” لا بمنطق المواطنة وسيادة القانون.
التحذير النهائي: بين حماية الحقوق وترهيب المجتمع خيط رفيع
واختتم علي بيانه بالتحذير من أن أخطر ما في القرار ليس فقط آثاره المباشرة، بل ما يرمز إليه من تحول في فلسفة الحكم: من دولة تنفذ القانون، إلى دولة تستخدم الخدمات كأداة للضغط والإخضاع، مؤكداً أن بين حماية الحق وترهيب المجتمع خيطًا رفيعًا، وأن الدولة الرشيدة هي التي تعرف كيف تحمي الأول دون أن تسقط في الثاني.
اقرأ ايضاً.. أزمة النفقة في مصر أعمق من قرار وقف الخدمات الحكومية.. ناجي الشهابي يطرح تساؤلات حول العدالة




















