اختتمت أعمال مائدة الحوار «الطريق إلى أنطاليا – COP31: كيف نضع الإبادة البيئية (Ecocide) على أجندة مؤتمر الأطراف؟» التي عقدتها مؤسسة دعم التنمية واتحاد المرأة الفلسطينية في إطار حوار حقوقي وبيئي ركز على العلاقة بين العدالة المناخية الدولية وقضية الإبادة البيئية، واتخذ من فلسطين نموذجًا مركزيًا لفهم الأضرار البيئية واسعة النطاق وآثارها على الإنسان والأرض وحقوق الأجيال القادمة.
وشارك في المائدة كل من جوزيف شكلا، المنسق العام لشبكة حقوق الأرض والسكن – هابيتات إنترناشونال و يوسف الورداني، مدير مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات ومساعد وزير الشباب والرياضة السابق حيث ناقش المتحدثان أبعاد القضية من زوايا قانونية وحقوقية وسياسية وتنموية، إلى جانب سبل تحويل قضية التدمير البيئي في فلسطين إلى ملف حاضر في النقاش المناخي الدولي.
العدالة المناخية تتجاوز خفض الانبعاثات
وانطلقت المائدة من قراءة ترى أن أزمة المناخ لم تعد قضية مرتبطة فقط بخفض الانبعاثات أو الانتقال إلى الطاقة النظيفة، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بحماية النظم البيئية والموارد الطبيعية وشروط الحياة ذاتها، فالتجريف واسع النطاق للأراضي، وتدمير الغطاء النباتي، وتلويث مصادر المياه والبحار، وتدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية، واستنزاف الموارد، وتدمير الموائل الطبيعية، كلها أضرار تتجاوز آثارها اللحظة الراهنة لتترك تداعيات ممتدة على المجتمعات والاقتصاد والصحة والأمن الغذائي والمائي.
وفي هذا السياق، ناقشت المائدة مفهوم الإبادة البيئية (Ecocide) باعتباره مفهوما قانونيا وسياسيا صاعدا في النقاش الدولي حول مساءلة مرتكبي أشد أشكال التدمير البيئي خطورة، مع التأكيد على ضرورة الانتقال بالمفهوم من المجال النظري إلى دراسة الحالات الواقعية التي تكشف طبيعة الضرر البيئي وحجمه وآثاره وتبعاته على حقوق الإنسان.
وأوضحت أن قد احتلت الإبادة البيئية في فلسطين موقعا رئيسيا في النقاش، باعتبارها نموذجا يطرح بصورة مباشرة العلاقة بين التدمير البيئي والحقوق الأساسية للشعوب.
وتناول الحوار ما يرتبط بتدمير الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، والإضرار بمصادر المياه، وتدمير البيئة الحضرية، والإضرار بالبنية التحتية البيئية والخدمية، فضلًا عن الآثار الممتدة على الأمن الغذائي والمائي والصحة العامة وسبل العيش.
وأكد النقاش أهمية عدم التعامل مع هذه الأضرار باعتبارها ملفات بيئية منفصلة، بل قراءتها ضمن إطار أوسع يربط الأرض والموارد الطبيعية وحقوق الإنسان والعدالة المناخية والسلم والأمن.
ومن هذه الزاوية، طرحت التجربة الفلسطينية سؤالا جوهريا أمام النظام المناخي الدولي كيف يمكن الحديث عن العدالة المناخية بينما يجري عزل الأضرار البيئية واسعة النطاق عن السياقات السياسية والحقوقية التي تنتجها أو تضاعف آثارها؟.
ولم يتوقف النقاش عند توصيف الأضرار، وإنما امتد إلى السؤال الأكثر أهمية كيف يمكن تحويل المعرفة والتوثيق والخبرة الحقوقية والبيئية إلى أدوات للمساءلة والتأثير في صناعة السياسات الدولية؟.
كما ناقشت المائدة ضرورة العمل عبر مسارين متكاملين؛ أولهما المسار القانوني والحقوقي، من خلال تطوير النقاش حول الاعتراف بالإبادة البيئية كجريمة دولية مستقلة، وبحث آليات المساءلة عن الأضرار البيئية الجسيمة، وتطوير أدوات التوثيق وإنتاج الملفات القانونية والحقوقية التي تستطيع إثبات طبيعة الضرر وحجمه وآثاره.
أما المسار الثاني فهو المسار المناخي والسياساتي، عبر إدخال قضايا التدمير البيئي والمساءلة ضمن النقاشات المتعلقة بالتكيف، والخسائر والأضرار، والتمويل المناخي، وحماية النظم البيئية، وحقوق الإنسان.
وأكدت المائدة أن الفصل بين المسارين قد يؤدي إلى إضعاف القضية؛ فالمساءلة القانونية تحتاج إلى قاعدة معرفية وتوثيقية قوية، بينما يحتاج الخطاب المناخي إلى التعامل مع الأسباب السياسية والاقتصادية والحقوقية التي تجعل بعض المجتمعات أكثر تعرضا للخسائر والأضرار من غيرها.
وفي إطار الاستعداد لمؤتمر الأطراف COP31 في أنطاليا، بحث المشاركون في المائدة كيفية الانتقال من مجرد طرح مفهوم الإبادة البيئية إلى بناء حضور فعلي للقضية داخل المساحات المناخية الدولية.
وناقش الحوار إمكانية استثمار المساحات الرسمية والموازية للمؤتمر، وفعاليات المجتمع المدني، والمنتديات واللقاءات الدولية، لإبراز قضية الإبادة البيئية في فلسطين باعتبارها حالة تستحق أن تكون جزءا من النقاش حول الخسائر والأضرار والعدالة المناخية وحقوق الإنسان .
كما تناول النقاش أهمية بناء خطاب قادر على مخاطبة أكثر من دائرة في الوقت نفسه؛ المؤسسات والآليات الدولية المعنية بالمناخ، والجهات الحقوقية والقانونية، ومنظمات المجتمع المدني، والباحثين والخبراء، والحركات البيئية والشبابية، بما يسمح بتكوين شبكة تحالفات تتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسية.
وشدد المشاركون على أن المرحلة المقبلة تتطلب العمل على بناء قاعدة معرفية وتوثيقية متخصصة حول الإبادة البيئية في فلسطين ، تتضمن رصد الأضرار البيئية، وتحديد نطاقها الجغرافي والزمني، وتوثيق آثارها على السكان والموارد الطبيعية وسبل العيش، وربطها بالإطار القانوني والحقوقي والمناخي ذي الصلة.
كما برزت أهمية تطوير قدرات الفاعلين المدنيين والحقوقيين والبيئيين على قراءة الأدلة البيئية، وإنتاج أوراق السياسات، وبناء الرسائل والمرافعات، والتواصل مع الآليات الدولية، بحيث لا يبقى التوثيق مجرد أرشيف للانتهاكات، وإنما يتحول إلى أداة للمناصرة والمساءلة وصناعة السياسات.
وأكد الحوار كذلك أن إدراج الإبادة البيئية على أجندة المناخ لا يعني تحويل مؤتمر الأطراف إلى منصة قضائية، وإنما استخدام أجندة العدالة المناخية نفسها لطرح الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية، وحماية الفئات والمجتمعات الأكثر تضررا، ومعالجة الخسائر والأضرار الناجمة عن التدمير البيئي واسع النطاق.
تعاون أوسع لإبقاء القضية حاضرة دوليًا
وفي ختام المائدة، أكد المشاركون أهمية بناء تعاون أوسع بين المؤسسات الفلسطينية والمصرية والعربية والدولية، وإشراك منظمات المجتمع المدني والخبراء والباحثين والحركات البيئية والحقوقية، من أجل تطوير خطاب مشترك حول العلاقة بين العدالة المناخية والإبادة البيئية وحقوق الشعوب.
كما جرى التأكيد على أن الوصول إلى9 نوفمبر 2026 ينبغي ألا يمثل نهاية لمسار العمل، بل محطة ضمن عملية أطول تستهدف بناء المعرفة والتحالفات وأدوات المناصرة، وإبقاء قضية الإبادة البيئية في فلسطين حاضرة في النقاش الدولي حول المناخ والبيئة وحقوق الإنسان.
وجاءت المائدة في إطار اهتمام اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة ومؤسسة دعم التنمية بتطوير المقاربات الحقوقية لقضايا المناخ والبيئة، وتعزيز الحوار بين الفاعلين المدنيين والخبراء والباحثين، بينما يعكس التعاون بين المنظمين أهمية وضع صوت النساء والمجتمعات المحلية في قلب النقاش حول الأرض والموارد والعدالة المناخية.
وفي ختام أعمالها، حملت المائدة رسالة واضحة مفادها أن العدالة المناخية لا يمكن أن تكتمل إذا بقي التدمير البيئي واسع النطاق خارج دائرة المساءلة، وأن الطريق إلى أنطاليا لا يقتصر على الوصول إلى مؤتمر دولي، بل يبدأ من بناء خطاب قادر على الربط بين الأرض والإنسان والمناخ والحقوق، وتحويل الوقائع الموثقة إلى معرفة، والمعرفة إلى مناصرة، والمناصرة إلى سياسات وآليات مساءلة.





















