قبل سنوات، كانت أصوات الحدادة والنجارة وإصلاح السيارات جزءا من المشهد اليومي في كثير من الأحياء ورش صغيرة، ومصانع محدودة، وأنشطة إنتاجية تعيش وسط الكتل السكنية، لكن مع اتساع المدن وارتفاع قيمة الأراضي، بدأت هذه الورش تختفي تدريجيا من مواقعها القديمة، لتحل محلها عمارات سكنية أو مباني إدارية أو مشروعات تجارية، لم يكن التغيير مجرد استبدال مبنى بآخر، بل كان تحولا في طبيعة النشاط الاقتصادي داخل المدينة، أعاد توزيع المهن، وغيّر شكل الأحياء، وخلق واقعا عمرانيا مختلفا عما عرفته المدن قبل عقود.
من الإنتاج إلى السكن.. رحلة غيرت ملامح أحياء كاملة
يرى متخصصون العقار، في التخطيط العمراني أن ارتفاع القيمة الاقتصادية للأراضي داخل المدن دفع كثيرا من الأنشطة الحرفية والصناعية إلى الانتقال نحو المناطق الصناعية أو أطراف المحافظات، حيث تتوافر مساحات أكبر وتكلفة تشغيل أقل، بينما استغلت الأراضي التي كانت تشغلها هذه الورش في إقامة مشروعات عقارية تلائم طبيعة المدن المتنامية.
ويشير المحللون، إلى أن هذا التحول انعكس على سوق العقارات بصورة مباشرة، إذ تحولت مناطق كانت تعرف بالنشاط الصناعي إلى أحياء يغلب عليها الاستخدام السكني أو الإداري، وهو ما أدى إلى تغير نوعية الخدمات، وارتفاع الطلب على الوحدات، وظهور أنشطة اقتصادية جديدة تناسب السكان الجدد.
وفي المقابل، يؤكد خبراء العقار، أن انتقال الورش لم يكن مجرد خسارة لمهنة أو نشاط، بل أتاح فرصة لإعادة تنظيم المدن وتقليل التداخل بين الاستخدامات المختلفة، خاصة في المناطق التي كانت تعاني من الضوضاء أو الكثافات المرورية الناتجة عن الأنشطة الصناعية.
كما يلفت المراقبون، إلى أن هذا التحول فرض تحديات جديدة، أبرزها الحفاظ على الحرف التقليدية، وتوفير بدائل مناسبة لأصحاب الورش، وضمان استمرار الأنشطة الإنتاجية بعيدا عن الكتل السكنية، دون التأثير على دورة الاقتصاد المحلي.
ويرى المتابعون، أن العقار لم يكن مجرد مستفيد من هذه التغيرات، بل كان أحد أسبابها أيضًا، لأن زيادة الطلب على السكن دفعت السوق إلى إعادة توظيف كثير من الأراضي بما يتوافق مع الاحتياجات الجديدة للمدن.
وفي النهاية، تكشف قصة اختفاء الورش من قلب الأحياء أن المدن لا تتغير فقط بالمباني التي تنشأ، بل أيضا بالأنشطة التي تغادرها. فكل تحول في استخدام الأرض يعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للمكان، ويمنح العقار دورا يتجاوز البناء، ليصبح شريكا في تشكيل هوية المدينة، وتحديد طبيعة الحياة والعمل داخلها لعقود مقبلة.
اقرا ايضا:راندة المنشاوي: أجهزة المدن الجديدة تواصل تنفيذ خطط متكاملة لرفع كفاءة البنية الأساسية





















