استيقظ أهالي قرية ميت هاشم التابعة لمركز سمنود بجمهورية مصر العربية، على فاجعة هزت الأركان وجردت المشاعر من صمتها، حيث تحولت رحلة كدح يومية للبحث عن الرزق إلى مأتم مفتوح. الطفل “رمضان”، الذي لم يتجاوز ربيعه الخامس، دفع ثمن انعدام الحذر والتهور تحت عجلات جرار مخصص لجمع الكتان، ليرحل بجسده النحيل تاركا خلفه غصة لا ترحل في قلب والدته المكلومة “أميرة”، التي شهدت اللحظات الأخيرة لفلذة كبدها وهو يصارع الموت بين سيقان الكتان الجافة.
كان “رمضان” يمثل أيقونة البراءة والذكاء في أروقة حضانته، حيث عرف بشغفه بالتعلم وحرصه على مراجعة دروسه مع والدته فور عودته، فكانت كراسته هي كنزه الأثمن الذي يتباهى بخطوطه الصغيرة فيها. لم تكن أحلامه تتعدى ارتداء الزي الميري ليصبح “ضابطا” يحمي الضعفاء، وهو الحلم الذي كان يردده بفخر أمام والده “محمود سليمان” وشقيقه الأصغر “سليم” صاحب العامين، الذي بات اليوم وحيدا يبحث عن رفيق لعبه الذي غيبه الثرى في غفلة من الزمن.
في يوم الحادث المشؤوم خلال شهر شوال، رافق “رمضان” والدته إلى الحقل كعادته، وبينما كانت الأم “أميرة” تلتقط أنفاسها وتتناول لقيمات لتعينها على مشقة العمل، كان الصغير يلهو بالقرب منها في أمان تام. وبشكل مفاجئ، تحرك جرار الكتان دون تنبيه أو حذر، ليصطدم بالطفل الذي لم يجد مفرا من جسامة الحديد، وسط صراخ الأم الذي شق عنان السماء، وهي ترى طفلها وسندها يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام عينيها، متلفظا بكلماته الوداعية: “بحبك يا ماما.. وبحب بابا وسليم”، وكأنه كان يعلم أن رحيله قد حان.
القصاص من الإهمال والتحرك الأمني
من جانبه، أكد والد الطفل، “محمود سليمان”، أن ما حدث ليس قضاء وقدرا فحسب، بل هو نتيجة مباشرة لإهمال السائق ورعونته في التعامل مع معدة ثقيلة وسط تجمعات العمال والأطفال. وطالب الأب بضرورة توقيع أقصى العقوبة والقصاص العادل لروح ابنه التي أزهقت. وفي تحرك سريع، نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط سائق الجرار المتسبب في الواقعة، وجرى تحرير المحضر اللازم وإحالته إلى جهات التحقيق لمباشرة الإجراءات القانونية، وضمان عدم ضياع حق “شهيد الكتان” الصغير.
خيم الحزن والوجوم على قرية ميت هاشم، وتحولت الحقول التي كانت تضج بالحياة إلى شواهد على مأساة طفل رحل وترك كراسته مفتوحة على آخر واجب كتبه بيده. الأم “أميرة” لم تعد تقوى على دخول الحقل مرة أخرى، فكل زاوية فيه تذكرها بضحكة “رمضان” ومساعدته لها رغم صغر سنه، ليبقى الحادث جرحا غائرا في وجدان أسرته وأهالي المركز، مذكرا بضريبة الإهمال التي يدفعها الأبرياء من دمائهم وأحلامهم.






















