في توقيت تشتعل فيه الحدود الإقليمية وتلتهب الجبهات من حولنا، وتحديدًا مع عودة القصف العنيف على قطاع غزة والضغط المستمر على الأمن القومي المصري، تطل علينا من العواصم الغربية منصات حقوقية تم تأسيسها وتوجيهها بدقة، لتثير ملف “الأقليات” والفتيات القاصرات في مصر. إن القراءة السطحية للحدث قد توحي بأنها صرخة إنسانية، لكن التفكيك الاستخباراتي والجيوسياسي يكشف أننا أمام “عملية نفوذ موجهة” تهدف إلى استخدام ملف حقوق الإنسان أداة ضغط سياسي وابتزاز استراتيجي للدولة المصرية، ونتساءل: ما سر هذا التوقيت المشبوه؟ ولماذا الآن؟
تعيش الدولة المصرية مواجهة مصيرية لحماية حدودها الشرقية والشمالية الشرقية مع عودة وتيرة الصراع والقصف في غزة، ورفض مصر الحاسم لسيناريوهات التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب أمنها القومي. وفي هذا التوقيت، يحتاج “اللاعبون الدوليون” إلى أوراق ضغط لإلهاء الإدارة المصرية أو إجبارها على تقديم تنازلات في ملفات إقليمية كبرى، ولا توجد ورقة أسهل من “ملف الأقليات الدينية” لضرب الاستقرار الداخلي وتشويه صورة الدولة في المحافل الدولية.
وإشعال الداخل بالتزامن مع حصار الخارج، مع المحاولات المستمرة لتصوير الدولة المصرية بوصفها “دولة تواطؤ أمني” أو “دولة تمييز منهجي” عبر منصات خارجية، يستهدف إحداث شرخ في جدار الوحدة الوطنية التي تعد ركيزة الأمن القومي المصري، ومحاولة خلق حالة من عدم الثقة بين المواطن القبطي ومؤسسات الدولة في لحظة فارقة تتطلب التلاحم الكامل.
أما عن تفكيك المغالطات وتجاوز قواعد القانون الدولي، فإن إقامة مؤتمرات خارجية تتعمد القفز فوق سيادة الدولة والقوانين الوطنية عبر مغالطات قانونية جسيمة يسوقها متخصصون ذوو “أجندات سياسية”. وإن حوادث اختفاء القبطيات أو النزاعات العائلية ذات الطابع الاجتماعي أو العقائدي تحدث في كل مجتمعات العالم، بما فيها المجتمعات الأوروبية التي تعاني من ملفات زواج القاصرات والاتجار بالبشر، لكن تحويل قضية فردية إلى مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بالتدخل وفقًا لنظام روما الأساسي هو شطط قانوني وتجاوز يعكس جهلًا مقصودًا بقواعد القانون الدولي التي لا تتدخل إلا في حالات انهيار الدول أو الحروب الأهلية المنهجية، وهو ما لا ينطبق على مصر ذات المؤسسات القضائية الراسخة.
فنحن أمام شيطنة لمؤسسات إنفاذ القانون، من خلال اتهام الأجهزة بالتواطؤ المنهجي والخطف والتستر، وهو ما لا يستهدف نصرة حالة الفتاة، بل يستهدف ضرب هيبة الدولة وتصوير مؤسساتها السيادية ككيانات خارجة عن القانون أمام الرأي العام الغربي، تمهيدًا لفرض “رقابة دولية” أو مشروطية حقوقية على المساعدات والتعاون الاقتصادي.
ولم تسلم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الوطنية من الهجوم لمجرد أنها ترفض تدويل القضايا الاجتماعية وتتمسك بالحلول الوطنية والمسارات القانونية الرسمية. وهذا يؤكد أن الهدف ليس حماية “الأقباط”، بل استخدامهم وقودًا لصراع سياسي أوسع. فما الغايات الاستراتيجية والخطط الخفية وراء هذه التحركات حقًا؟
إن صناعة “بروباجندا” تمثل محاولة لخلق “سابقة قانونية دولية” لشرعنة التغلغل في الشؤون الداخلية المصرية تحت دعاوى حماية الأقليات، وهو السيناريو الكلاسيكي الذي استُخدم لتفتيت دول عديدة في المنطقة، مثل العراق وسوريا، فضلًا عن تشتيت انتباه الرأي العام الدولي. فالتسليط المكثف على “انتهاكات مزعومة” في مصر يعمل ستارًا دخانيًا لتخفيف الضغط الإعلامي والحقوقي الدولي عن الانتهاكات الحقيقية وحرب الإبادة الدائرة في غزة، ومحاولة إحراج الدولة المصرية التي تقود جبهة التصدي والوساطة الإنسانية.
إلى جانب ذلك، يأتي الابتزاز الاقتصادي والسياسي من خلال استخدام تقارير “الكتاب السنوي للحرية الدينية” والمنظمات الدائرة في فلكها أدوات توصية أمام البرلمانات الأوروبية والإدارة الأمريكية، لوضع شروط سياسية على أي دعم مالي أو شراكات استراتيجية تحتاجها مصر في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية.
إن الحالات الإنسانية قضايا يجب أن تفصل فيها الجهات القضائية، أما نقل هذه الملفات إلى غرف الفنادق في فيينا وبرلين وتأطيرها استخباراتيًا لتبدو كأنها “تطهير عرقي أو ديني”، فهو عمل عدائي ناعم يستهدف الجبهة الداخلية لمصر، تزامنًا مع التهديدات العسكرية الخشنة على الحدود.
ويقف وراء ذلك المفتاح الجيوسياسي الأخطر الذي يربط غرف المؤتمرات وبواطن الأيديولوجيا في واشنطن ولندن بجبهات القتال في غزة، وهو دور “التيار البروتستانتي الصهيوني” في تفكيك الهوية العقائدية للجهة المنظمة بأقنعة حقوقية لأجندات نبوئية.
وعندما ننظر إلى الجهة الراعية والمضيفة لهذا المؤتمر، نجد أنها واجهة قانونية وحقوقية تنبثق في أصلها وفكرها من تحالفات وثيقة مع اليمين الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة وأوروبا. وهذا التيار ليس مجرد جماعة دينية، بل هو الخزان الفكري والسياسي لما يُعرف بـ”المسيحية الصهيونية”.
ويقدم هذا التيار عقيدة “تأزيم المنطقة” لتسريع النبوءات، إذ يؤمن بعقيدة “التمهيد للمجيء الثاني” عبر دعم إسرائيل المطلق وتصفية جيرانها. ومن مفارقات السياسة أنه لا يتحرك بدافع “المحبة الإنسانية” لأقباط مصر، بل يرى في مسيحيي الشرق الأوسط مجرد “أداة وظيفية” أو “ورقة ضغط” لزعزعة استقرار الدول العربية المركزية، وعلى رأسها مصر، لتظل الدولة العبرية هي المهيمن الوحيد.
وتتجلى ازدواجية المعايير الصارخة في أن هذا التيار، في اللحظة نفسها التي يتباكى فيها على اختفاء القبطيات، يغض الطرف تمامًا، بل ويبارك، إبادة المسيحيين الأرثوذكس والبروتستانت في قطاع غزة وقصف كنائسهم التاريخية، مثل كنيسة القديس بروفيريوس، على يد آلة الحرب الإسرائيلية. وهذه الازدواجية تفضح أن الهدف ليس “حماية المسيحيين كبشر”، بل توظيف ملف المسيحيين في مصر لابتزاز قرارها السياسي.
ومع التناغم مع عودة قصف غزة والتهاب الحدود، فإن تصعيد القصف الإسرائيلي على غزة ومحاولات تهجير الفلسطينيين نحو سيناء، بالتزامن مع تحريك هذا التيار الصهيوني لملف الأقباط في أوروبا، يستهدف إضعاف الموقف التفاوضي المصري. فمصر تقف حائط صد منيعًا ضد تصفية القضية الفلسطينية وإفراغ غزة من سكانها، وهنا يأتي دور الذراع الحقوقية للتيار البروتستانتي الصهيوني لإثارة القلاقل حول “اضطهاد الأقليات في مصر” بهدف إحراج النظام المصري دوليًا وإظهاره بمظهر العاجز عن حماية مواطنيه في الداخل، وبالتالي إضعاف أوراقه التفاوضية وقدرته على المناورة في ملف الحدود وغزة.
وهي أيضًا صناعة لـ”مظلومية قبطية” لموازنة “مظلومية غزة”. فمع تصاعد الغضب العالمي وضغوط الرأي العام ضد الجرائم الإسرائيلية في غزة، لا علاقة لهذه التحركات بالقضية القبطية، بل يحتاج اللوبي الصهيوني الإنجيلي إلى صناعة “مادة إعلامية بديلة” تُعرض في العواصم الأوروبية.
والهدف هو توجيه أنظار البرلمانات والصحافة الغربية نحو “التطرف الإسلامي واضطهاد المسيحيين في مصر”، للتغطية على المجازر الحقيقية الدائرة في فلسطين وتحويل النقاش الدولي من “إدانة إسرائيل” إلى “إدانة الشرق الأوسط”.
إن مهاجمة الكنيسة الأرثوذكسية تمثل تصفية حسابات تاريخية.
فالهجوم على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والبابا تواضروس ليس عفويًا، إذ إن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تاريخيًا كنيسة وطنية ترفض “المسيحية الصهيونية” وترفض التدويل وتعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب جميعًا.
لذلك يسعى التيار البروتستانتي الصهيوني عبر هذه المنصات إلى سحب البساط من تحت قداسة البابا والكنيسة الوطنية، ومحاولة خلق “قيادات قبطية بديلة” في الخارج تدين بالولاء للأجندة اليمينية الغربية.
فإننا لسنا أمام مؤتمر حقوقي، بل أمام “غرفة عمليات ناعمة” تُدار بأموال وتوجيهات التيار البروتستانتي الصهيوني، الذي يرى في تدمير غزة واختراق الجبهة الداخلية لمصر مسارًا واحدًا لخدمة مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
لذلك يظل وعي صانع القرار المصري، وصلابة الجبهة الداخلية، ووطنية المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية على السواء، خط الدفاع الأول لنسف هذه المخططات التي تُباع في سوق “حقوق الإنسان” الغربي بأسعار سياسية مدفوعة مقدمًا.





















