لم تكن جريتا ثونبرج، الفتاة السويدية الهادئة التي جلست وحيدة أمام البرلمان في ستوكهولم عام 2018، تدرك أن لافتتها الصغيرة التي كُتب عليها “إضراب من أجل المناخ” ستتحول إلى صرخة عالمية.
لكن منذ ذلك اليوم، أصبحت جريتا رمزًا لجيل جديد لا يعرف الصمت أمام ما يراه ظلمًا، سواء كان ضد البيئة أو الإنسان.
من وعي مبكر إلى مواجهة عالمية
ولدت جريتا في يناير 2003 لعائلة فنية؛ والدتها مغنية أوبرا ووالدها ممثل ومنتج. عندما كانت في الثامنة، سمعت للمرة الأولى عن التغير المناخي في المدرسة، فأصابها القلق والدهشة من تقاعس العالم عن التحرك.
بدأت تتحدث عن البيئة مع أسرتها، ودفعتهم لتغيير نمط حياتهم اليومي لتقليل الانبعاثات الكربونية.
وفي سن الخامسة عشرة، قررت أن تفعل ما لم يفعله أحد: أن تضرب عن المدرسة احتجاجًا على تراخي الساسة تجاه الكارثة البيئية.
وتلك الخطوة البسيطة تحولت إلى حركة عالمية تُعرف باسم “Fridays for Future”، شارك فيها ملايين الشباب في عشرات الدول، لتصبح غريتا، ذات النظرة الثابتة والصوت الحاد، رمزًا عالميًا للوعي البيئي والمسؤولية الأخلاقية تجاه الكوكب.
من أزمة المناخ إلى محاولة كسر الحصار
لم يقتصر نضال غريتا على البيئة وحدها. فمع مرور الوقت، توسّعت رؤيتها لتشمل مفهوم “العدالة المناخية الشاملة”، التي تربط بين التغير المناخي، والفقر، والصراعات، والاحتلال.
وفي عام 2025، أعلنت انضمامها إلى “أسطول الصمود”، وهو تحرك دولي يهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وتوصيل مساعدات إنسانية للمدنيين.
وقالت في بيانها حينها:“لا يمكن أن نطالب بعدالة مناخية بينما نغض الطرف عن ظلم إنساني يُمارس على هذا الكوكب ذاته”.
رحلة الحرية والاعتراض
وانطلق الأسطول من موانئ أوروبية وشمال أفريقية في يونيو الماضي، بمشاركة عشرات الناشطين من أكثر من 20 دولة.
كانت جريتا على متن إحدى السفن، تحمل مساعدات طبية ورسائل تضامن من شعوب العالم. لكن الرحلة توقفت على بعد أميال من شواطئ غزة، بعدما اعترضتها القوات الإسرائيلية في عملية بحرية مثيرة للجدل.
تم احتجاز السفن ونقل المشاركين، بينهم جريتا، إلى ميناء أسدود، قبل أن تُنقل إلى مركز احتجاز في بئر السبع.
ورغم أن السلطات الإسرائيلية أكدت أن المعاملة كانت “قانونية وإنسانية”، إلا أن جريتا تحدثت إلى مسؤولة زارتها، عن ظروف قاسية في الاحتجاز، مشيرة إلى الحرمان من النوم والطعام الكافي وتعرضها لالتهابات جلدية بسبب الحشرات داخل الزنزانة، مما أثار غضب وانتقادات حقوقية ودبلوماسية واسعة.
صدى عالمي ومطالبات بالإفراج
أثارت الواقعة تضامنًا دوليًا كبيرًا، إذ طالبت منظمات حقوق الإنسان بالإفراج عنها وعن باقي النشطاء. كما عبّرت الحكومة السويدية عن قلقها، وطالبت بضمان سلامة مواطنيها.
من صوت المناخ إلى ضمير الإنسانية
هكذا انتقلت جريتا ثونبرج من الحديث عن الاحتباس الحراري إلى مواجهة واقع أكثر سخونة.. واقع الحصار والحروب.
ورغم صغر سنها، فإنها تمثل اليوم ضميرًا عالميًا يربط بين قضايا الكوكب والإنسان، وتذكيرًا بأن العدالة لا يمكن تجزئتها:
فكما تقول دائمًا: “لا يمكن أن نحافظ على كوكب حي إذا كان جزء منه يموت جوعًا خلف الأسوار”.





















