|بائع الصحف في ميدان الإسعاف|
مأساةٌ
أن يتراجعَ للخَلْفِ
المتعهدُ توزيعَ الصحفِ
– هنا في قلبِ الحي –
وأن ترتدَ بضائعُهُ الورقية
كبقايا الجيشِ المهزومِ
وأن يتقدمَ تجارُ البالةِ!
هي رقعةُ شِطْرَنجٍ
لا يشغلُ فيها البائعُ
إلا بُقْعَةَ «بيدقْ»
ينحسرُ إليها
مدفوعًا بالغزوِ الهائلِ
ويغطي تجارُ البالةِ
باقي الرّقعِ
ويفترسون الأخضرَ واليابسَ
لا يتبقى للمتعهدِ إلا تلٌ من صحفٍ متعبةٍ
ومكانٍ يجلسُ فيه
وتخفى «أرضيتُهُ»
مساحتُهُ يغصبُها التجارُ
ويفترشون تلالَ ملابسَ مستعملةٍ
ونفاياتِ البلدانِ الشقراءِ
أرديةً من كلِّ بقاعِ الأرضِ
كأنّ الحربَ اشتعلتْ عندَ رصيفِ المتعهدِ
بنطالٌ من بيلاروسيا
بلوُفرٌ من بولندا
مريولٌ من إقليمِ الباسك
وسراويلُ تخبي أرواحَ بغايا
اتحدتْ كي تلتمسَ حياةً أخرى
كي تعتمرَ هياكلَ أبناءِ بلادِ النصفِ الأسفلِ للعالمِ
أصفارِ الاستعمارِ
كأنّ الدولَ العشرينَ
اتفقتْ
أن تتلَاشى أرضيةُ بيّاعِ الصحفِ
وأن ينتهكَ مجالُهْ!
إفرازُ العولمةِ
السوقُ المفتوحةُ
والمالتي ميديا
تأبي إلا أن تأخذَ نَفَسَ البائعِ!

مأساة
– ماذا يا عمي؟
لمَ لم تفرشْ باقي الصحفِ؟
«الأهرام»
«الأخبار»
«روزا»
و«صباح الخير»
– هنالك عند التلِ الواحدِ
حظي الغاضبُ
أدخلني في هذي المهنةِ
ليتَ مصيري انكتبَ
أبيعُ روبابيكا
أو أفرشُ بعبواتِ قتالِ الحشراتِ
– «سبِها لله»
– لكني….
تجارُ البالةِ
أخذوا حقي
حتى لا يتبقى موضعُ قدمٍ
أخشى أن يصفعَني شرطيٌّ
أو يتجرأَ شابٌ
ويكيلَ عظامي الشائخةَ
: لم لا يشري أحدٌ صُحفًا
:الجرذانُ المحقونةُ بالسُمّ
الدائخةُ هنا وهنالك
هل تنتظرُ الصحفَ لتعرفَ بؤسَ الحالِ؟!!
ماذا تقرأُ!
أبوابَ الحَظّ؟!
أو الكلماتِ المتقاطعةَ؟!
البقرُ تشابَه
وعناوينُ الأمسِ اللاهبةُ اختنقَتْ..
يسألُنى: ما العملُ؟
– خذْ صحفَك يا عمي واهربْ
لمحلٍ آخرَ
طرْ إن أمكنْ
|ماريا|
“إلى ابنه الشاعر”
ماذا يا «ماريا»
لو أصبحتِ رئيسةَ هذا الكَون
اخترتِ «الدُميةَ» قائدةً
و«السَمَكَةَ» مسئولةَ قواتِ البحريةِ
و«الأرجوزَ» رئيسَ الحرس
وغنى «الضفدعُ» مارشالَ الحرب
ما لو أعطيتِ الجُندَ بنادقَ من خَرَزٍ
وتَبَادلنا اللهوَ الكونيَّ
هنا في الغرفةِ
وأدرنا المعركةَ
قذفنَا نحو الأعداءِ
قنابلَ من عَلك
ورصاصًا من ماءٍ
ودَفعْنَا «البطةَ» في الصفِّ الأولِ
وتساقطَ سربُ الطياراتِ الورقيةِ
ماذا لو طاوَعنا الأعداءُ
وخرَّوا صَرعى
وأعادُوا الكَرَّة وسقطنا
نحتبسُ الأنفاسَ
ونضحكُ بهدوءٍ
كي يحتفلوا بالنَّصْرِ
وينكسرَ الحزنُ الدائمُ
في قَلبِ أبيكِ
لو أصبحتِ رئيسةَ هذا الكونِ
وناديتِ الشعراءَ من الشُباكِ
لكي نَتشاركَ في هذا العُرسِ
وتتسعَ الغرفةُ بالإنشاد..
مثلاً
يُسْمعُنا المتنبي شدويةَ مدحٍ
في عينيك
ويباركُ رامبو
مَرْكَبَك النشوانَ
يواسينا بودلير بباقةِ أزهارٍ أخرى ..
ماذا يا طفلتيَ الحُلوةُ
لو دوامَ هذا الفَرَحُ..
بقيتُ قويًا ومعافى
في البَيْتِ
طوالَ الأيامِ المقبلةِ
لم أخرجْ لتقابلني النظراتُ القاسيةُ
ولا العرباتُ المُسْرِعةُ
ماذا لو أصبحتْ الغرفةُ كوني الكاملَ
وانتظرَ الموتُ لأقصى زمنٍ
لأظلَّ أراقبُك
وأعبثُ في خُصْلاتِ الشَعْرِ الأصفرِ
أركضُ كالقِطِّ
أقلدُ أصواتَ الدِيَكَةِ
أحضنُ دُميَتَكِ
وأشكُوكِ لها
وأنوحُ
وأنصبُ فخًا
أسقطُ كالصَّيادِ الخائبِ فيه
ولا أتعلمُ في المرةِ تُلو الأخرى
|”بُوينج سي 17 جلوب ماستر” ليست شجرةً|
3 صور أفغانية
(1)
أبناء صَنَوْبَرة
“ثلاثة أفغان سقطوا من طائرة الشحن العسكرية الأميركية وهي في السماء”

نحن ثلاثةُ أفغانٍ متلاشينَ
ثلاثة أجسادٍ ساخنةٍ
سقطتْ
مثل الثمرِ العَطِنِ
ولم تلقفْها الأرضُ
ثلاثةُ أرواحٍ فارغةٍ
علقتْ في طائرةِ الشحنِ
نحن ثلاثةُ أفغانٍ
خانَهم الحدسُ
فحسِبوا
طائرةَ «بوينج» الأمريكيةَ
تملكُ روحَ صَنَوْبَرةٍ
فتسلقَ كلٌّ منا
واحتضنَ الشجرةَ في داخلِهِ
وتفيأ ظلَّ جناحٍ
لكنَّ السطحَ الأملسَ لمحرِكها
ليس لحاءً يقرأُ نبضَ قلوبٍ خائفةٍ
ليميلَ الجذعُ الخشنُ
فروعًا نمسكُ فيها
الشجرةُ تملكُ قلبًا
أما الطائرةُ
جهازُ تحكمِها لم يدركْنَا
الطائرةُ «زوجةُ أبٍّ» قاسيةٌ
والشجرةُ أمٌ نتعلقُ في رقبتِها
حتى لا تخطفَنا الريحُ
ولا تأخذَنا الأرضُ
ولا يفتتنَا العشبُ الأخضرُ
نسقطُ
أو نتحطمُ
لكنا نبقى
أبناءَ صَنَوْبَرةٍ تبكي
إن أدركنَا الموتُ
شريفًا
لا يلتقطُ ثلاثة أفراخ تتوسدُ ريشَ جناحِ الطائرةِ
ولم تدفعْها أمومتُها لتكشرَ
في وجهِ ملاكِ الموتِ
لم يعرفْنا الجسمُ الناعمُ للحرباءِ الأمريكيةِ
وهي تقذفُنا مثلَ بُصاقٍ
(نحن بصاقٌ
فضلاتُ بيونج غلوب ماستر!)
نسقطُ لا تدركُنا الأرضُ
ولم نتصادفْ برعاةِ جبالٍ تتسربلُ كابولَ
لا «طالبان» رأوْنَا
لم يصحبْنَا سربَ طيورٍ مثل الناسٍ مهاجرةٍ
نحن الأفغانُ المتلاشون
تصادفَ أن الفيديو التقط ثلاثة أشباحٍ
لطموا العالمَ
ثم تلاشَوا
ليتَ مجالَ الكاميرا اتسعَ
لنعرفَ أين ذهبْنَا؟!!!
(2)
السيدة الميتة
أفغانية تجمدت على الحدود بين إيران وتركيا

ليس الموتُ
تقولُ السيدةُ الميتةُ
أن أتجمدَ فوقَ الثلجِ
الموتُ؟
عيونُ صغارِي وهي تترجى
والأسنانُ وهي تصطكُ
هلاكي؟ ألا يجدَ صغاري الدفءَ الآنَ
دفئًا ورغيفًا وحليبًا
تهذي المرأةُ
هبْ يا ربْ صغاري هذا
وأذقني موتًا أكبر
ولأتعذبْ
وليتثلجْ قلبِي
فوقَ الأرضِ القاسيةِ
وراءَ الأسلاكِ
وأقسمُ أني جاهزةٌ
لملاقاتِك بشفاهٍ متجمدةٍ
أتوسلُ كي تمنحني القدرةَ
لأخففَ روعَ الأطفالِ
وأنا أخْرجُ من أسمَالي
في معركةِ النفسِ الأقصرِ
وأقولُ:
لتأخذْ صيحاتُ الموضةِ جِلْدِي
ولتمنحي ثوبَ فراءٍ
ولتستخرجْ مجموعاتُ النفطِ دمائي
وتهبني لترَ سبيرتو
ولينهبْ عظمي أبناءُ قبائلِ هذي المنطقةِ
قطاعُ الطرقِ مقابلَ شعلةِ نارٍ
لحمي لذئابِ الصحراءِ
لأعرف كيف أقدمُ مثل اللبؤةِ
إغراءَ الخائفةِ إلى المنتَهزِ
صغاري…
السيدةُ الجامدةُ
وهي ترتعدُ:
يمكنني أن أكنسَ آلافَ الكيلو مترات
وأحرثَ مئاتِ الأفدنةِ
مقابلَ جذعٍ
أصنعَ لصغارِ العالمِ حلوى
ولآخذ طبقَ حساءٍ
أمسحَ أدراجَ الناطحةِ
درجًا درجًا
مقابلَ جُحرٍ
حتى تأتي الشمسُ
وأرجعَ دون الحاجةِ لبلادٍ قاسيةٍ
وجدارٍ صلدٍ
حراسِ حدودٍ لا يَدْرُونَ اللغةَ البشتونيةَ
ولا يثِقُون بقلبِ الأمِّ
أعدْنِي يا رب
أعدْ أطفَالي
وليأخذْني «جندُ اللهِ» ضمنَ سباياهم
الموتُ هنا.. الموتُ هناك
والرحلةُ بينهما موتٌ أقسى
فيه صغارُك يتدثرُ كلٌّ منهم
بالآخرِ
يتقابلُ دفءُ بخارِ الأولِ
وبخارِ الثاني
وأنا أتجمدُ
(ينهضُ حلمٌ تُولَدُ فيه ورودٌ يزرعُها طفلان على قبرٍ وسطَ حقولٍ خضراء
في أرض شاسعة دون حدودٍ)
(3)
وفق رويترز
رضيعٌ أعطاه والده لجندي في مطار حامد كرازي ضمن فوضى انسحاب الأميركان

هذا يومُ الحَشْرِ
يومَ تكلمَ من في المهْدِ
رضيعا
يومَ يفرُ المرءُ
يفرُّ أبوك
وأخوتُك
أمُّك
ينسَوْكَ جميعا
يلقيك الجنديُّ هو الآخر
ويفرُّ سريعا
هنا يتكلمُ من في المهدِ؟
نعمْ يتكلمُ
من هولِ الحاصلِ
يصرخُ بجوارِ البوابةِ
يخشى أن يندهسَ
إذا لا يكفي صوتُ الوَأوَأةِ
حين قطيعُ الناسِ يدوسُ قطيعا
في يومَ الحَشْرِ
يومَ يفرُّ المرءُ ليلحقَ آخرَ طائرةٍ بمطارِ كرازي!
تقولُ وكالاتُ الأنباءِ
والطائرةُ بوينج سفينةُ نوحٍ
تُقْلِعُ قبلَ قيامةِ هذا البلد
وتُبْعثُ في الجهةِ الأخرى من هذا العالمِ
صراطٌ يمتدُّ رفيعا
يمتدُ لآلاف الكيلو متراتِ
علينا أن نتقرفصَ فيه
وننسى أن رضيعا
ألقاه الجنديُّ وهربَ
يصيرُ المرءُ وضيعا
حين يكون الموتُ على مَقْرِبةٍ
لكني لستُ الابنَ العاقَ لنوحَ
ولم ألتمسْ القممَ العاليةَ لتورا بورا
لم أتقلدْ زيَّ «الطالبانِ»
ولا أتبعُ «القاعدةَ»
وأمسكُ جرينوفًا روسيًا
لأكونَ ضحيةَ هذا العبثِ
أكونَ يسوعا
بجوارِ البوابةِ
يتكلمُ في المهدِ
لكنْ لا يسمعُه الناسُ
كأن المعجزةَ اختارتْ أن يخمدَها الحَظُّ العَثِرُ
وتأبى أن تكتملَ
جوارَ سياجِ مطارِ كرازي
العالمُ مشغولٌ بالفوضى
من يشغلُه الطفلُ سهيلُ
وليدُ الحارسِ ميرزا
ابنُ السيدةِ ثريا أمِّ الأطفالِ الأربعةِ
الهاربةِ من المجهولِ إلى مجهولِ
النازفةِ دموعا
ندمًا
في الطائرةِ
وأبّ خرّ صريعا
كيفَ ائتمنَ الجنديَّ الأميركيَّ
وصدقَ هذا الأملَ الكاذبَ؟
أبرمَ صفقةَ شرفٍ عند سياجِ مطارِ كرازي
يومَ الحشرِ
يومَ يفرُّ المرءُ
ويومَ تكلمَ من في المهدِ
بهولِ الحاصلِ





















