في الوقت الذي يبحث فيه السوق العقاري المصري عن أدوات جديدة لزيادة قدرته على التمويل وتحريك المشروعات، تتزايد الحاجة بالتوازي إلى قواعد تنظيمية تعزز ثقة المشتري وتضمن انضباط المطورين، خاصة مع توسع النقاش حول إنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، إلى جانب الدفع نحو تفعيل صناديق الاستثمار العقاري كأحد الحلول المطروحة لمعالجة أزمة التمويل.
وبينما يتركز جانب من النقاش حول كيفية توفير التمويل اللازم لاستمرار المشروعات وتسريع معدلات التنمية، يرى خبراء أن نجاح أي منظومة جديدة لن يرتبط فقط بزيادة حجم التمويل أو تنظيم المهنة، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن واضح بين مصالح المطور والمشتري، ووضع ضوابط تضمن توجيه الأموال إلى المشروعات بصورة آمنة ومنظمة.
شادي الزيات: اتحاد المطورين يجب أن يحمي المشتري قبل تنظيم المهنة
أكد الدكتور شادي الزيات خبير التطوير العقاري، أن مشروع قانون اتحاد المطورين العقاريين يمثل نقطة تحول محتملة في علاقة السوق بالمشترين، شريطة أن تتم صياغة مواده بما يضمن الشفافية والملاءة المالية للشركات، وألا يقتصر دوره على الجانب التنظيمي للمهنة.
وقال الزيات، إن التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع في الوقت الحالي هو الثقة، موضحًا أن نجاح أي تشريع جديد يجب أن يقاس بمدى قدرته على الإجابة عن سؤال أساسي بالنسبة للمشتري: هل يستطيع أن يعرف، قبل أن يدفع، ما إذا كان المطور قادرًا على التسليم؟
وأوضح شادي، أن القانون ينبغي أن يتضمن، من وجهة نظره، عددًا من المحاور الرئيسية، يأتي في مقدمتها وضع معايير معلنة للملاءة المالية للشركات، وربط إطلاق المشروعات الجديدة بنسب إنجاز محددة في المشروعات القائمة، إلى جانب وضع آلية واضحة لحماية أموال العملاء وحسابات المشروعات، مضيفا أن من بين الأدوات المهمة أيضًا وجود سجل علني يوضح مدى التزام كل مطور بمواعيد التسليم، بما يسمح للمشتري بالحصول على معلومات واضحة قبل اتخاذ قرار الشراء.
وأشار الزيات، إلى أن «الاتحاد القوي هو الذي يُخرج المتعثر من السوق بشكل منظم، لا الذي يحميه من المساءلة»، مؤكدًا أن الهدف من التنظيم يجب أن يكون حماية السوق والمشترين معًا، وليس توفير غطاء للمطور غير القادر على الوفاء بالتزاماته، لافتا إلى أهمية الاستفادة من تجارب الدول أو الأسواق المماثلة عند صياغة الإطار التشريعي، إلى جانب إجراء حوار مجتمعي يضم المطورين الجادين والمشترين والبنوك قبل إصدار القانون، بما يمنحه فرصة أكبر للتطبيق الفعلي.
واختتم خبير التطوير العقاري، بالتأكيد على أن السوق يحتاج خلال المرحلة الحالية إلى قواعد واضحة تفرق بين المطور القادر والمطور المتعثر، معتبرًا أن ذلك يصب في مصلحة جميع الأطراف، بما فيها الشركات الجادة نفسها.
عبدالرحمن خليل: توسيع مظلة الصناديق خطوة مهمة.. والتوعية شرط للاستفادة من التمويل
وفي الاتجاه الآخر المتعلق بتمويل المشروعات، أكد الدكتور عبدالرحمن خليل مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، أنه يؤيد توسيع مظلة صناديق الاستثمار العقاري، وكذلك الإسراع في تفعيلها من خلال الهيئة العامة للرقابة المالية، باعتبارها حلًا منظمًا ورسميًا وآمنًا بدرجة كبيرة لمشكلة التمويل.
وأوضح خليل، أن السوق المصري لا يزال في مرحلة نشر الثقافة والتوعية بشأن صناديق الاستثمار العقاري، خاصة أنه لا يمتلك حتى الآن عددًا كبيرًا من الصناديق أو نماذج تطبيقية وحوكمة منظمة يمكن الاستناد إليها على نطاق واسع، مشيرًا إلى أن التعامل مع الملف يتم حاليًا بصورة تدريجية.
وقال عبدالرحمن، إن صناديق الاستثمار العقاري تمثل حلًا مناسبًا ومنظمًا لمعضلة التمويل، إلا أن حجمها لا يزال صغيرًا مقارنة بحجم القطاع العقاري المصري، الذي وصفه بأنه قطاع كبير جدًا، مؤكدًا في الوقت نفسه أن التوسع في الصناديق يجب أن يكون مصحوبًا بضوابط واضحة وحوكمة تمنع تحول الحل إلى مشكلة جديدة.
وشدد خليل، على أن الضمانة الأساسية تتمثل في ألا تتحول الصناديق إلى وسيلة لاستغلال أموال المواطنين بصورة غير منضبطة، موضحًا أن الهدف الرئيسي منها هو تمويل المشروعات العقارية، وأن أي خطوة تساعد على تحقيق هذا الهدف تكون مطلوبة طالما تتم في إطار الحوكمة والتنظيم.
وأكد عبدالرحمن، أن التوسع في مظلة صناديق الاستثمار العقاري يجب أن يصاحبه توسع مماثل في دائرة التوعية، حتى يعرف المواطن والمستثمر متى يتم إنشاء الصندوق وكيف يتم إنشاؤه وكيفية التعامل معه، داعيًا إلى عقد جلسات نقاشية وإطلاق مواد توعوية وتسويقية وإعلانية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف خليل، أن المطلوب ليس دفع المواطنين إلى الصناديق دون فهم، ولا تخويفهم منها وإبعادهم عنها، وإنما أن يتعاملوا معها بوعي وإدراك، بما يسمح بالاستفادة من قدرتها على تمويل المشروعات، مشيرا إلى أن تفعيل صناديق الاستثمار العقاري يمكن أن يساهم في تسريع وتيرة الإنشاءات والتطوير والتنمية العمرانية وتحريك السوق، خاصة في ظل وجود تباطؤ نسبي في مبيعات بعض المناطق، وهو ما قد ينعكس على تمويل المشروعات.
وأوضح مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، أن الصندوق يمكن أن يوفر التمويل اللازم لتحريك المشروع، بما يمنح المطور قدرة أكبر على الاستمرار، ويساهم في تحقيق سرعة وانضباط والتزام تجاه المواطن والعميل فيما يتعلق بالإنشاءات والتسليمات والتشغيل.
وفي ضوء الرؤيتين، يبدو أن النقاش حول مستقبل السوق العقاري لا يدور فقط حول زيادة المعروض أو توفير التمويل، وإنما حول بناء منظومة متكاملة؛ فبينما يركز طرح شادي الزيات على أن التنظيم يجب أن يبدأ من حماية المشتري وفرز المطور القادر من المتعثر، يركز عبدالرحمن خليل على أن توفير أدوات تمويل منظمة مثل صناديق الاستثمار العقاري يمكن أن يساعد في تحريك المشروعات وتسريع التنمية، بشرط أن يواكبه تنظيم وحوكمة وتوعية كافية.
وتجمع الرؤيتان، كل من زاويته، على أهمية وجود قواعد واضحة تقلل المخاطر وتدعم استقرار السوق، سواء من خلال تنظيم العلاقة بين المطور والمشتري أو من خلال توفير قنوات تمويل قادرة على دعم المشروعات واستمرارها.
اقرا ايضا:تشكيل لجنة المشروعات بمجلس النواب بدور الانعقاد الثاني






















