تشهد الأسواق الطبية المحلية طفرة غير مسبوقة ترتكز على محور التحديث التكنولوجي، حيث قفزت القيمة الاستثمارية المتداولة لتبلغ نحو 307 مليارات جنيه خلال عام 2024، مقارنة بنحو 216 مليار جنيه في العام السابق له، مما يعكس صعودا قياسيا يقترب من نسبة 40%، لتستحوذ البلاد على حصة تتجاوز 27% من إجمالي التداولات العلاجية داخل أسواق القارة الأفريقية، بالرغم من أن الكثافة السكانية المحلية لا تتعدى 8% من إجمالي سكان تلك القارة، مما يؤكد العمق الاستثماري للمنظومة الحالية.
تتحرك البنية الإنتاجية عبر منظومة متكاملة تضم أكثر من 179 مصنعا مخصصا للمستحضرات البشرية، بالإضافة إلى ما يقرب من 150 منشأة متخصصة في توفير الأجهزة والمستلزمات الطبية، بجانب مجمعات صناعية متكاملة للمواد الخام، وتعمل المنظومة على تداول ما يزيد عن 12 ألف مستحضر بشكل سنوي، مع وجود طاقة استيعابية مرخصة ومسجلة تصل إلى 35 ألف مستحضر، مما مكن القطاع من تغطية ما يعادل 91% من متطلبات السوق المحلية والاعتماد الكامل على القدرات الذاتية.
التتبع الدوائي وآليات الرقابة الرقمية
تستهدف الخطط التشغيلية الحالية زيادة معدلات الاكتفاء الذاتي لتصل إلى 95% بحلول عام 2030، وذلك عبر التوسع في هندسة المستحضرات الحيوية والاستراتيجية محليا، وتتدفق المنتجات الوطنية حاليا إلى نحو 147 سوقا دولية، حيث بلغت عوائد التصدير بنهاية عام 2025 ما قيمته 1.3 مليار دولار، محققة قفزة نمو تجاوزت 20%، وتتحرك تلك الصادرات بالتنسيق المشترك مع المجلس التصديري للصناعات الطبية لتعزيز الموارد النقدية الأجنبية ومطابقة أعلى المعايير التنظيمية العالمية،
أعلن الدكتور علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء توافر مخزون استراتيجي آمن ومستدام، يكفي لتغطية الاحتياجات العلاجية لمدد تصل إلى 6 أشهر كاملة، خاصة لأدوية الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط والقلب والأورام والمستحضرات البيولوجية المعقدة، وأوضح الغمراوي أن المنظومة نجحت في استيراد 55% من الخامات المطلوبة للعام الجاري، مع تأمين مخزونات للمواد الفعالة تكفي لأكثر من ثلاثة أشهر بنسبة 80%، وتغطية احتياجات شهرين على الأقل لنحو 18% من المواد المتبقية،
تتابع الكوادر الرقابية حركة الشحنات وسلاسل الإمداد بشكل يومي، لضمان استقرار الأسواق ومواجهة التحديات الجيوسياسية العالمية، وتتكامل تلك الجهود مع تطبيق نظام التتبع الدوائي القائم على الرمز التعريفي المنفرد “Serial Number”، وأكد الدكتور تامر الحسيني نائب رئيس هيئة الدواء بدء المرحلة الأولى للتطبيق على مستحضرات الجدول الأول للمواد المخدرة المستوردة، بهدف إحكام الرقابة الفعالة ومكافحة الغش التجاري والتهريب، وضمان عدالة التوزيع في كافة الصيدليات.
الذكاء الاصطناعي وهندسة البيانات
أوضح الدكتور ياسين رجائي مساعد رئيس هيئة الدواء استمرار تنفيذ استراتيجية التحول الرقمي، والتي تعتمد على دمج حلول الذكاء الاصطناعي في إدارة دورة حياة المستحضرات، وأشار رجائي إلى إطلاق أداة تنظيمية ذكية لتقييم أسماء الأدوية ومنع تشابهها، بجانب مراجعة ملفات التسجيل الفنية لتقليص المدى الزمني للاعتماد، وتطوير منصات رقمية لإدارة بروتوكولات الدراسات والتجارب الإكلينيكية، وتحديث منظومة الوصفة الطبية الإلكترونية للحد من الأخطاء العلاجية وصرف العلاج الرشيد،
تتضمن المراحل التصنيعية للمستحضرات فحص المواد الخام والبحث والتطوير، مرورا بالخلط والتعبئة وفق معايير التصنيع الجيد العالمية “GMP”، وتخضع الشحنات لاختبارات النقاوة والثبات قبل إصدار موافقات التسجيل والتسعير الجبري، وتستهدف الخطط المقبلة استخدام النماذج التحليلية للتنبؤ بنقص الإمدادات وإدارة المخاطر عبر توجيه أولويات التفتيش الصيدلاني، مع رفع كفاءة الكوادر البشرية بالتعاون مع المنظمات الدولية، لتظل هذه الصناعة ركيزة أساسية للأمن القومي والصحي والاقتصادي.



















