يعد مسلسل «عتبات البهجة» بطولة الفنان القدير يحيى الفخراني، واحدًا من المسلسلات التي تخوض السباق الرمضاني لهذا العام، وكعادة الفخراني في أعماله الفنية يسعى لإيجاد الحكمة وخلق العبرة أمام المشاهد.
عتبات البهجة.. وأدب إبراهيم عبدالمجيد
ويعد مسلسله مأخوذًا عن عمل روائي يحمل نفس الاسم للكاتب المصري الكبير إبراهيم عبدالمجيد، الحاصل على جائزة الدولة التقديرة عام 2007 وغيرها من الجوائز والتكريمات، ويمتاز قلم «عبدالمجيد» بنظرة وجودية للمجتمع تسعى لتفسير ما يدور في فلكه من تطوارت ثقافية وسياسية، بالإضافة إلى التغيرات النفسية للأفراد جراء الصدمات الحضارية التي تلقفتها مصر منذ النهضة الليبرالية على يد الوفد أيام مصر الملكية، مرورًا بتبني النموذج الأمريكي في الاقتصاد، سبعينيات القرن الماضي.
ويظهر هذا واضحًا جليًا في ثلاثية الاسكندرية، «لا أحد ينام في الإسكندرية، طيور العنبر، الإسكندرية في غيمة»، وغيرها من الأعمال، التي لا تخلو من سخرية ونقد لاذعٍ للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتضح هذا بشكل كوميدي أيضًا في روايته التي أُخِذ عنها المسلسل الرمضاني.
ما بين النص الروائي والمعالجة التلفزيونية
أما النص الروائي فيختلف كثيرًا إن لم يكن تمامًا عن أحداث العمل، فبداية أسماء الشخصيات ليست هي التي في الرواية، بل إن هناك شخصيات لا وجود لها في العمل أصلًا، مثل حفيد يحيى الفخراني بالمسلسل.
قصة الرواية وأبطالها
ويحكي النص الروائي عن أحمد إبراهيم، مدير عام بإحدى الهيئات الحكومية شارف على بلوغ الستين، يتأمل حياته بعد أن ألمَّ به المرض والوحدة، خاصة بعد وفاة زوجته، يصاحبه على مدار صفحات الرواية صديقه حسن الذي يعمل معه بنفس الهيئة، وهو رجل في بداية الخمسينات من عمره يعشق العلاج الطبيعي، والجلوس مطولًا قُبالة أجهزة الكمبيوتر للتثقيف والتعلم، ومن العلامات الملتصقة بشخصيته كثرة حديثه، إلا أنه ياتي في محاله دائمًا، وهذا لا يسبب حرجًا لصديقه أحمد على الأقل.
تبدأ أحداث الرواية، باكتشف أحمد لحديقة كانت تقع وسط الميدان، أخذه لها حسن للتعرف عليها والجلوس بها، هناك تعرف على بائعة الشاي وابنتها سعيدة، وهي فتاة لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد، مطلقة، ولها ابن أسمر البشرة، يقع حسن _ الذي ستدعوه جدي_ في حبها، ويتخيل دائمًا أنها ستشاركه الفراش كلما كان مع زوجته في السرير.
هناك يبدأ حسن في سؤال صديقه عن السبب في عدم زواجه إلى الآن، فتتكشف لنا شخصية دنيا وهي امرأة تجاوزت الثلاثين، وتعمل معلمة لدى وزارة التربية والتعليم، وهي عشيقة أحمد السرية، التي تخون زوجها مع أحمد بسبب أنها لا تجد الحب أو السكينة مع زوجها، ومع مرور الأحداث سنكتشف أن علاقتها بأحمد ليست علاقة سريرية، بل هي أكبر من ذلك.
ومن الشخصيات الغريبة أيضًا شخصية فادية صديقة دنيا، وهي فتاة صغيرة في مقتبل العشرينيات من عمرها، تزوجت وهي صغيرة من رجل «مثلي الجنسية»، يعاشرها بطريقة شاذة تقتل الحب والرغبة فيها من قِبل الرجال، فباتت تبحث عن ما يشبه الحب الأبوي العذري وإن تخلله بعض الممارسات الغرائزية التي لا تخدش كراهيتها للجنس، كما سيتضح في الفصل السادس.
يعاني بطل العمل من تصلب في الشرايين، يسبب له ضيقًا في صدره وصعوبة في التنفس، ينصحه صديقه حسن بترك الأطباء والاستغناء عنهم عن طريق العلاج الطبيعي، في البداية لا يقتنع ويباشر الذهاب للطبيب الذي لا تعطيه نتائجه أي جديد في حالته، حتى يأتي الفصل الخامس، وتبدأ نظرة أحمد في التغير تمامًا، خاصة وأن حسن أثبت له أن الطبيب كان سيقتله حتمًا.
يتخلل العمل الروائي أحداث يبدو من ظاهرها أنها «ماورائية»، مثل توقف الساعات بشكل مستمر في يد أحمد وحسن وبعض الشخصيات الثانوية التي يقابلانها أثناء سير الأحداث، كسائق التاكسي الذي كان يقلهما، أو توهمهما لكثير من الأمور التي لم تحدث، مثلما ظن حسن أن زوجته لم تتخلص من الأرانب والدجاج الذي فوق السطح، بالرغم أنها تخلصت منهم من فترة طويلة، أو عندما أغلق حسن أنوار منزله، فرى أحد أجزاء شقته مضاءً، أو عندما دخل أحمد إلى الشارع الذي يسكن فيه، شاهد أزقة وحارات عشوائية اعتقد لوهلة أنه يراها لأول مرة، آخذًا في التساؤل إلى أين ذهب شارعه والبيت الذي يسكن فيه، إلى أن ينتبه لكون هذه الحارات والأزقة كانت موجودة دائمًا، وكان يحذر ابنه منها وهو صغير، وهذا ما سنراه في الفصل الثامن.
الخطاب الفكري للرواية
تسير الرواية في إطار اجتماعي لا يخلو من السوداوية والعبثية، يهيمن عليها الحوار بشكل فلسفي، يشبه محاورات سقراط التي نقلها عنه تلميذه أفلاطون، ويغلب على السرد الفصحة المتماهية مع سخرية اللهجة العامية، التي تضفي على الرواية البصمة الساخرة في كلام المصريين، بالإضافة إلى الحبكة السلسة التي تُيسر فهم الأحداث وترابط الفصول بعضها ببعض.
عتبات الرواية
يذكر أن «عتبات البهجة»، صدرت في طبعتها الأولى عن دار الشروق سنة 2005، تقع في 218 من القطع المتوسط، تتألف من عشرة فصول، يُستهل في كل واحد منها بسؤالين يبدآن بـ«كيف ولماذا»، ويسمى هذا في النقد الأدبي بالـ«العتبة أو عتبة النص»، حيث تكون مدخلًا لفهم النص والتعبير عنه في إيجاز، حسب الفهم الأكاديمي للكلمة.
ومن أبرز الاقتباسات الواردة بالعمل:
1. الوقوف على عتبات البهجة دائمًا أفضل من البهجة نفسها.
2. أنا يا أخي لا أفهم كيف يضرب رجل زوجته ثم ينام معها بعد ذلك.
3. لا أذكر في أي كتاب قرأت، أن ضباط الشرطة هم أكبر مستهلك لنظارات الريبان في العالم، وأنه بفضلهم استطاع هذا المصنع أن يستمر في الوجود، وينافس جميع مصانع النظارات الأخرى!
4. لكن الأبناء عادة لا يقتلون آباءهم، يتركون ذلك لازمن، أو للحوادث، وغالبًا للحكومة.
5. علامات انهيار أي دولة مطاردة بائعي الورد.
6. أقصى خيال للبشر حبس المارد في القمقم زمان، العلم الآن يحبس العالم في التلفاز.
7. كل مرة تهتف في همس «أنا كنت ميتة، أنا كنت ميتة»، تهتف من أعماقها البعيدة جدًا، وبهمس تتعذب فيه حروف الكلام!
8. لعلمك الأمثال الشعبية كلها ضدّ بعضها، تحس إنها من تأليف الحكومة، يوم تطلع مَثل يفرح الناس ويوم تطلع مثل يغمهم، على هذا النحو منذ آلاف السنين.
9. فكرة اختفاء الناس إلى الأبد عذاب حقيقي.
10. لا الحب ولا الدين أفلحا في منع الناس من الانتحار للأسف.
11. ورغم أن الله يسمع دبة النملة، فالشيوخ يصرخون في المكروفونات، هل يتصورن أن الله بعيد جدًا، إنه قريب جدًا، أقرب من حبل الوريد.
إبراهيم عبدالمجيد
جدير بالذكر أن إبراهيم عبد المجيد، كاتب روائي مصري، ولد في محافظة الإسكندرية في 2 من شهر ديسمبر عام 1946، تخرخ في كلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة الإسكندرية، تولى عدَّة مناصب منها، أخصائيًا ثقافيًا للثقافة الجماهيرية من عام 1976 إلى 1982، ومديرًا لإدارة الثقافة العامة من عام 1990 إلى عام 1995، ثم رئيسًا لتحرير سلسلة كتابات جديدة من عام 1995 إلى 2000، وجاء آخر تكريمًا له عام 2022، حيث فاز بجائزة النيل في الآداب.
وترجمت الكثير من أعماله إلى عدَّة لغات مثل، الفرنسية والألمانية والإنجليزية، أبرزها رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية»، ومن أهم أعماله، بيت الياسمين، برج العذراء، المسافات، الصياد واليمام، طيور العنبر، قناديل البحر، البلد الأخرى.
آخر أعمال عبدالمجيد
وتعد رواية «حامل الصحف القديمة»، آخر إبداعات عبدالمجيد الروائية، إذ صدرت عن دار الشرق أثناء فعاليات معرض القاهرة الدولي العام الماضي، وتقع في 294 صفحة من القطع المتوسط.





















