عاد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، إلى المشهد المصري بعد غياب طويل، متربعًا من جديد على أحد المناصب الاقتصادية الهامة في البلاد.
فقد صدر قرار جمهوري بتعيينه عضوًا في المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية، التابع لرئاسة الجمهورية.
هذه العودة، التي تأتي بعد تبرئته من جميع التهم التي وُجهت إليه عقب ثورة 25 يناير 2011، تفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول أثر هذا التعيين على السياسة والاقتصاد في مصر.
التبرئة من التهم والعودة للمشهد
منذ ثورة 25 يناير 2011، تم توجيه العديد من الاتهامات إلى يوسف بطرس غالي، وكان أبرزها تهم التربح واستغلال النفوذ في ما يعرف إعلاميًا بقضية “فساد الجمارك” و”اللوحات المعدنية”.
صدرت بحقه أحكام بالسجن غيابيًا، واستمرت محاكمته لسنوات طويلة، حيث قضت محكمة جنايات شمال القاهرة ببراءته في يوليو 2023.
هذه البراءة، التي جاءت بعد سنوات من التقاضي، شكلت فرصة لعودة غالي إلى الحياة العامة، خاصة وأنه كان واحدًا من العقول الاقتصادية البارزة في فترة حكم الرئيس السابق مبارك.
تعيينه في المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية يأتي كخطوة من الدولة للاستفادة من خبراته الاقتصادية، التي أثرت بشكل كبير في سياسات مصر الاقتصادية خلال فترة عمله في الحكومات المتعاقبة.
لكن هذا القرار أثار أيضًا تساؤلات سياسية، خاصة في ظل ذكريات الماضي المثقلة بالتهم والجدل الذي أحيط بعمله كوزير.
الأبعاد السياسية لعودة بطرس غالي
على الصعيد السياسي، يمثل تعيين يوسف بطرس غالي خطوة تحمل دلالات رمزية قوية.
فعودة شخصية كانت على رأس هرم الاقتصاد المصري في عهد مبارك إلى موقع مؤثر، يعكس رغبة النظام الحالي في الاستفادة من تجارب الماضي مع المحافظة على توجهات النمو الاقتصادي الراهنة.
البعض قد يرى أن تعيينه يأتي في إطار التصالح مع رموز الماضي، خاصة مع تبرئته من التهم التي كانت موجهة إليه، ما قد يعزز من فكرة أن الدولة تتجه نحو إعادة توظيف الكفاءات القديمة لخدمة مصالحها الحالية.
لكن في المقابل، هناك من يرى في هذا التعيين انتكاسة لجهود الإصلاح، معتبرين أن عودة الشخصيات التي ارتبطت بفترات اتسمت بالفساد الإداري والمالي قد تثير الجدل حول نوايا النظام في مواجهة هذه القضايا.
البعد الاقتصادي لتعيينه
من الناحية الاقتصادية، لا شك أن يوسف بطرس غالي يتمتع بخبرة كبيرة، سواء من خلال عمله كوزير مالية أو في صندوق النقد الدولي.
المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية، الذي يعنى بوضع السياسات الاقتصادية ودراسة سبل تعزيز الإنتاج المحلي، هو منصة تحتاج إلى شخصيات تمتلك فهماً عميقاً للاقتصاد الدولي والمحلي، وغالي يُعد من بين هذه الشخصيات.
أحد أهم التحديات التي سيواجهها المجلس هو كيفية تعزيز قدرة الاقتصاد المصري في ظل الأزمات العالمية الحالية، مثل ارتفاع تكلفة الإنتاج وتراجع فرص الاستثمار الأجنبي.
هنا تأتي أهمية الخبرة الدولية لغالي، حيث من المتوقع أن يعمل على تحسين بيئة الأعمال المحلية وتعزيز التصدير، وهو ما يُعتبر من أهم أولويات المجلس.
الخبرات السابقة ونجاحاتها
على مدار سنوات عمله في وزارة المالية، كانت سياسات بطرس غالي موجهة نحو خفض العجز المالي وتعزيز الإصلاحات الهيكلية.
ولكن سياساته لم تكن خالية من الجدل، فإصلاحات الدعم وتحسين الضرائب، رغم مساهمتها في استقرار الاقتصاد من منظور معين، قوبلت بانتقادات شديدة من قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الطبقات الأكثر فقراً.
تجدر الإشارة إلى أن بطرس غالي قد عمل أيضًا في منصب خبير اقتصادي في صندوق النقد الدولي لمدة ست سنوات، وهي الفترة التي ساهمت في تشكيل رؤيته للاقتصاد الكلي.
تلك الخبرة، إضافة إلى عمله في الوزارات المختلفة، تعطيه منظوراً شاملاً حول التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، وهو ما قد يستفيد منه المجلس في رسم استراتيجيات جديدة للنمو.
المستقبل الاقتصادي في ظل عودته.. أستاذ اقتصاد يوضح
مع عودة يوسف بطرس غالي إلى الساحة الاقتصادية، تبقى التساؤلات حول كيفية تأثير سياساته السابقة على القرارات المستقبلية للمجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية.
هل ستكون سياساته الاقتصادية أكثر مرونة في التعامل مع الأوضاع الراهنة، أم أنه سيعتمد على نفس الأساليب التي أثارت الجدل في الماضي؟
الدكتور سعيد الفقي الخبير الاقتصادي، قال في تصريحاته لموقع «الحرية»، إن عودة يوسف بطرس غالي إلى المشهد الاقتصادي المصري، بعد تبرئته من جميع التهم، تُظهر أن الدولة تسعى للاستفادة من خبراته الاقتصادية الواسعة، خصوصًا في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية.
وأضاف الفقي: أما عن كيفية تأثير هذه العودة على المشهد السياسي العام، فبطرس غالي شخصية اقتصادية كبيرة وناجحة ولها قبول في الشارع المصري، واختياره كان موفقا، وعاصر أزمنة اقتصادية مختلفة؛ فبالتالي يدرك جيدا الوضع الحالي وما يتطلبه من مستحدثات تزيد من الإنتاج وتعمل على تنشيط الاقتصاد بوضع عام.
وأوضح الفقي، أنه في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، من المتوقع أن يركز المجلس تحت قيادة غالي على توسيع فرص الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الصادرات؛ هذا الدور يتطلب توازناً دقيقاً بين مصالح القطاع الخاص والدولة، وهو ما قد يكون التحدي الأكبر الذي سيواجهه في الفترة المقبلة.





















