كتب / صابر سكر
أعلنت محكمة العدل الدولية أنها ستنظر في الدعوى التي رفعها السودان ضد الإمارات العربية المتحدة في 10 أبريل 2025، حيث يتهمها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وطالب السودان المحكمة باتخاذ تدابير طارئة لوقف الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، والتي يُتهم بعض عناصرها بارتكاب جرائم إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة ضد مجموعة المساليت في غرب دارفور.
الأبعاد القانونية للدعوى
يستند اختصاص محكمة العدل الدولية في هذه القضية إلى المادة 36/1 من نظامها الأساسي والمادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، حيث إن السودان والإمارات طرفان في الاتفاقية.
وأوضح الدكتور محمد حسين أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة فرع الخرطوم وجامعة العلوم الإسلامية الماليزية (لموقع الحرية ) ، أن السودان يتهم الإمارات بدعم قوات ارتكبت جرائم خطيرة تشمل القتل الجماعي، السرقة، الاغتصاب، التهجير القسري، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، مما يشكل خرقًا للالتزامات الدولية.
وأشار الدكتور حسين إلى أن اتفاقية منع الإبادة الجماعية تُلزم الدول الأطراف بمنع الجريمة ومعاقبة مرتكبيها ، مما يجعل هذه الدعوى ذات أبعاد قانونية قوية .
طلب السودان باتخاذ تدابير مؤقتة
طالب السودان المحكمة بإصدار إجراءات عاجلة لإجبار الإمارات على:
وقف جميع أشكال الدعم لقوات الدعم السريع ومنع ارتكاب أي أعمال تنتهك المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، والتي تشمل:
قتل أفراد مجموعة المساليت.
إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأفراد المجموعة.
فرض ظروف معيشية قاسية تهدف إلى تدمير المجموعة جزئيًا أو كليًا.
اتخاذ تدابير لمنع الإنجاب داخل المجموعة .
ضمان عدم قيام أي ميليشيات غير نظامية مدعومة من الإمارات بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية أو التحريض عليها .
وأشار الدكتور حسين إلى أن المادة 41 من نظام المحكمة تمنح الأولوية لطلبات التدابير المؤقتة، مما يعني أن القضية قد تتقدم بسرعة مقارنة بالقضايا الدولية الأخرى.
التداعيات السياسية للدعوى
من الناحية السياسية، وضعت هذه الدعوى الإمارات في موقف دبلوماسي حساس، حيث قد يؤدي التصعيد إلى تخفيض التمثيل الدبلوماسي أو حتى قطع العلاقات، وكان السودان قد أمر 15 دبلوماسيًا إماراتيًا بمغادرة أراضيه في وقت سابق، في خطوة تُشير إلى تصاعد التوتر بين البلدين.
كما أن الهزائم العسكرية التي تكبدتها قوات الدعم السريع مؤخرًا قد تدفع الدول الداعمة لها إلى إعادة تقييم مواقفها، في ظل التغيرات الجيوسياسية في المنطقة.
ارتباط الدعوى بقضايا دولية سابقة
استشهد الدكتور حسين بقضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، والتي أسفرت عن إصدار تدابير طارئة ضد إسرائيل في يناير 2024.
وأشار إلى أن هذه السابقة تعزز احتمالات قبول المحكمة لطلب السودان، لا سيما في ظل تقديم السودان أدلة تشمل صور أقمار صناعية وتقارير دولية لدعم ادعاءاته.
القضية بين السودان والإمارات أمام محكمة العدل الدولية لا تقتصر على الجوانب القانونية فحسب، بل تمتد إلى أبعاد دبلوماسية واستراتيجية يمكن أن تؤثر على خريطة التحالفات في المنطقة.
ردود الفعل الدولية
لم تصدر حتى الآن مواقف رسمية من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة بشأن هذه القضية، لكن مصادر دبلوماسية رجحت أن تشهد الأسابيع المقبلة مناقشات مكثفة داخل مجلس الأمن حول تداعياتها.
ويرى محللون أن هذه الدعوى قد تدفع الإمارات إلى إعادة تقييم سياستها الخارجية، لا سيما في ظل الضغوط المتزايدة من منظمات حقوق الإنسان والتقارير التي تتحدث عن دور محتمل لأطراف خارجية في تأجيج الصراع في السودان.
ما الذي يمكن أن يحدث بعد الدعوى؟
قبول المحكمة للدعوى واتخاذ تدابير طارئة:
قد تصدر المحكمة قرارًا يلزم الإمارات بوقف دعم قوات الدعم السريع، وهو ما قد يغير موازين الصراع في السودان.
رفض الدعوى أو تأجيل النظر فيها:
إذا لم تثبت السودان وجود دعم إماراتي موثق لقوات الدعم السريع، فقد تواجه صعوبة في الحصول على حكم لصالحها.
تصعيد سياسي ودبلوماسي:
قد تشهد العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي مزيدًا من التوتر، وربما تلجأ السودان إلى تصعيد القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو تسعى لفرض عقوبات دولية على بعض الشخصيات المتورطة.
القضية في سياق النزاعات الدولية
تشير هذه الدعوى إلى توجه متزايد نحو اللجوء للقضاء الدولي في النزاعات السياسية، كما حدث في قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، التي أدت إلى إصدار إجراءات طارئة رغم عدم حسم القضية بشكل نهائي حتى الآن.
ويعتقد خبراء أن مثل هذه القضايا قد تدفع الدول إلى إعادة النظر في تحركاتها الخارجية، خاصة مع تصاعد استخدام محكمة العدل الدولية كأداة ضغط دبلوماسي.
القضية بين السودان والإمارات ليست مجرد نزاع قانوني، بل تعكس صراعًا أكبر حول التدخلات الإقليمية والصراع على النفوذ في إفريقيا، وبينما تستعد محكمة العدل الدولية للنظر في القضية، يبقى السؤال الأهم: هل ستُحدث هذه الدعوى تغييرًا حقيقيًا في الأزمة السودانية؟





















