تتصاعد حدة التحركات السياسية داخل النمسا في إطار استراتيجية وطنية موسعة تستهدف تضييق الخناق على شبكات الإسلام السياسي والمنظمات التي تحوم حولها شبهات الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، حيث انتقلت بوصلة التدقيق الحكومي والبرلماني نحو جمعية “زارا” المعنية بمكافحة العنصرية، وذلك بعد مطالبات رسمية بفتح تحقيقات موسعة وشاملة لكشف الغموض الذي يكتنف مصادر تمويل هذه الجمعية وطبيعة شبكة علاقاتها المعقدة مع شخصيات ومنظمات وُضعت تحت مجهر الرقابة الأمنية في وقت سابق.
يؤكد طلب الإحاطة الذي قدمه حزب الحرية النمساوي إلى الحكومة ضرورة الحصول على توضيحات تفصيلية حول الأموال العامة الطائلة التي حصلت عليها جمعية “زارا” من وزارات ومؤسسات حكومية نمساوية متعددة على مدار السنوات الماضية، وتأتي هذه المطالبة في وقت تواجه فيه الجمعية اتهامات مباشرة بتعاونها الوثيق مع شخصيات ومنظمات وردت أسماؤها في ملفات أمنية حساسة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل الأراضي النمساوية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات قانونية حول المعايير التي استندت إليها الجهات الرسمية في منح هذا الدعم المالي.
يستند الجدل القائم إلى رصد مشاركة الجمعية في ما يسمى “التحالف ضد العنصرية المعادية للمسلمين” الذي أبصر النور في عام 2021، وهو تحالف يضم في صفوفه شخصيات جدلية من بينها فريد حافظ، الذي برز اسمه بقوة خلال المداهمات الأمنية الكبرى التي استهدفت شبكات الإخوان في النمسا عام 2020، ويشير نواب البرلمان النمساوي إلى أن ظهور اسم حافظ ضمن المساهمين في التقرير السنوي لجمعية “زارا” لعام 2022 يعد مؤشرا خطيرا يستوجب إجراء مراجعة فورية لطبيعة الروابط التنظيمية والشخصية التي تجمع بين هذه الكيانات والدوائر المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.
تثير القضية حساسية مفرطة داخل أروقة السلطة في فيينا بسبب حجم التمويلات الضخمة التي استنزفتها الجمعية من الميزانية العامة، والتي وصلت إلى مئات الآلاف من اليوروهات سنويا في بعض الفترات الزمنية، ويطالب المشرعون الحكومة بتقديم كشف حساب دقيق للمشاريع التي تم تمويلها بهذه الأموال، مع التشكيك في وجود اختراق ممنهج لمؤسسات الدولة عبر واجهات مدنية وحقوقية تتخفى خلف شعارات مكافحة العنصرية بينما تخدم أجندات تهدف إلى تعزيز نفوذ الإسلام السياسي وتمدده داخل المجتمع الأوروبي.
يسلط التقرير الضوء على التعاون المؤسسي المريب بين “زارا” ومنظمات أخرى مثل منظمة “الشباب المسلم في النمسا” ومركز توثيق العداء للإسلام والعنصرية ضد المسلمين، وهما كيانان سبق أن أثبتت الدراسات الأكاديمية والتقارير البحثية ارتباطهما العضوي بدوائر الإخوان وشبكاتهم التنظيمية، مما يعزز القناعة لدى الأوساط السياسية النمساوية بأن هذه المؤسسات ليست سوى أدوات لإعادة إنتاج الفكر المتطرف داخل الفضاء العام تحت غطاء حقوقي، وهي استراتيجية تعتمد على التغلغل الناعم لتفادي الرقابة المباشرة.
يأتي هذا التصعيد في السياق النمساوي العام المناهض للإسلام السياسي، خاصة بعد العملية الأمنية الضخمة التي نفذتها السلطات في شهر نوفمبر 2020 بمشاركة نحو 1000 عنصر أمني، والتي وصفتها الحكومة آنذاك بأنها ضربة قاصمة للبنية التحتية لهذه الجماعات، وتؤكد فيينا اليوم أن مسار الرقابة لن يتوقف عند الكيانات المعلنة، بل سيطال كل من يثبت تورطه في تسهيل مهام الإخوان المسلمين أو توفير غطاء مالي أو لوجستي لنشاطاتهم، في إطار سياسة تهدف إلى تجفيف منابع النفوذ وتأمين الدولة من محاولات الاختراق الخارجي والداخلي التي استغلت الديمقراطية النمساوية لعقود طويلة.
تضع هذه التطورات جمعية “زارا” أمام اختبار صعب يتمثل في إثبات استقلاليتها المالية والسياسية، وهو ما يبدو مستبعدا في ظل المعطيات والوثائق التي تربطها بأسماء ارتبطت تاريخيا بمحاولات تفتيت النسيج الاجتماعي النمساوي، وستشهد الأيام القادمة قرارات حاسمة بشأن استمرار الدعم الحكومي لهذه المنظمة، وسط مطالبات شعبية بضرورة استعادة الأموال التي أهدرت في مشاريع مشبوهة، والتزام الحكومة بمبدأ الشفافية المطلقة تجاه الناخبين الذين يرفضون توظيف أموال ضرائبهم في تمويل كيانات تُتهم بالولاء لتنظيمات عقائدية وسياسية متطرفة تعمل ضد قيم الدولة ومبادئها الراسخة.





















