انهض
فلن تفنى
لقد نوديت بإسمك
لقد بُعثت

بين ثنايا السينما العالمية، هناك جواهر خالدة، امتازت بقدرة فريدة على نقل الجمهور لأماكن وأزمنة مختلفة، وسمحت لهم باستكشاف وتجربة عوالم تتجاوز عالمنا؛ تأتي بين هذه الجواهر، تحفة شادي عبدالسلام الفنية التي أخرجها عام 1969 “المومياء”، أو كما تشتهر في الغرب بـ “يوم أن تحصى السنين”؛ أنه ليس مجرد فيلم، بل رحلة عبر الزمان ورمال الصحراء، ملحمة هادئة تدعو المشاهد للتأمل في أصوله وهويته والتعرف على ذاته وأسلافه من جديد، لقد ترك به شادي عبدالسلام بصمة لا تنسى في سجلات السينما.
الفرعون الحديث
كان المصري ابن الجنوب شادي عبدالسلام فنانًا بالفطرة، أثقل مواهبه من خلال دراسة فنون المسرح بلندن، وعاد إلى مصر فدرس الفنون الجميلة وامتاز في دراسته للعمارة. قبل أن يدخل مجال السينما بالصدفة حينما أسندت إليه مهمة صغيرة في فيلم الفتوة من إخراج صلاح أبوسيف، فأصبح بعدها مساعدًا لأبو سيف في أفلام مثل أنا حرة والوسادة الخالية.
وعمل بعدها عبدالسلام في تصميم الديكور السينمائي، وكذلك الملابس والإكسسوار في الأفلام التاريخية، مثل وا إسلاماه، عروس النيل، والناصر صلاح الدين. كان إتقان عبدالسلام ودقته في عمله بوابته للعمل في أعمال عالمية ضخمة، فعمل كمصمم للملابس والديكور في فيلم كليوباترا من بطولة إليزابيث تايلور، وكذلك الفيلم البولندي فرعون، وفيلم الحضارة مع الإيطالي روربتو روسيليني1966. لذا فيمكننا القول بأن شادي عبدالسلام كان قد اكتسب الكثير من الخبرة التي تجعله يوظف كل مهاراته في درة أعماله المومياء.


فضاء الحكاية
اختار النقاد فيلم المومياء ليكون الثالث في قائمة أفضل مئة فيلم مصري؛ إذن ماذا قدم هذا العمل من جديد ليستحق كل هذا التقدير والاحتفاء عالميًا قبل محليًا؟.
وتدور أحداث الفيلم في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1871، حول قبيلة تسكن الجبل في صعيد مصر، قبيلة الحربات، وتعيش في هذا المكان الخالي من أي أثر للعمار والحضارة على بيع الآثار والحُليّ المصرية القديمة المدفونة بباطن الجبل لتجار الآثار، الذين بدورهم يقومون بتهريبها للخارج وبيعها للأجانب؛ مع بداية الفيلم نتعرف أن هذه القبيلة قد مات كبيرها، يخبر الأعمام أولاد المتوفي بسر معيشتهم من بيع الآثار، ويصبح عليهما أن يستمرا بإدارة أعمال قبيلتهما، لكن يرفض الابن الأكبر فيتم قتله من قبل الأعمام والقاء جثته في النيل.
ويتبقى الابن الوحيد الآن ونيس (أحمد مرعي) ويحاول أعمامه وابناء عمومته إقناعه بالاستمرار في تجارة الآثار، حتى أن مراد تاجر الآثار يغويه بامرأة حسناء (زينب/ نادية لطفي) ولكنه يرفضها، يعاني ونيس حالة من الاضطراب بين أحساسه بأن هذا الفعل منافي للأخلاق وآخر بأن عليه الانصياع لقبيلته وإلا نبذوه، ولكن أخيرًا تأتي بعثة من الأفندية المنقبين عن الآثار، فيقرر الاعتراف لهم بمكان الخبيئة حين يعلم بقتل أخيه، فيخلص الأفندية الخبيئة المكونة من مومياوات ترجع للأسر من 17 وحتى 21 ويأخذونها إلى القاهرة.

من عباءة التاريخ
استلهم شادي عبد السلام قصة هذا الفيلم عن وقائع تاريخية، قرأها في كتاب عالم الآثار ماسبيرو، ومحورها أن كهنة الإله آمون قاموا بنقل مجموعة من التوابيت وخبؤوها في الدير البحري خوفًا من سرقة اللصوص، وقد اكتشفت عائلة عبدالرسول مكان هذه المقبرة وحين اختلفوا قام أحد أبنائهم بإفشاء سرها لعلماء الآثار.
كتب كلود ميشيل كلونى الناقد السينمائي الفرنسي“كان من الممكن وإلى حد بعيد اعتبار المومياء فيلمًا غير مصرى لولا أن مصر تقيم بين حناياه بماضيها، بديكورها، بواقعها، بتمزقها، وتعبر داخل الفيلم عن تفردها”.
صراع الهوية

لا يثير عبدالسلام قضية سرقة الآثار، فقد كان بإمكانه أن يجعله فيلمًا واقعيًا تقليديًا، ولكن براعته أرشدته لمعالجة فنية أكثر استثنائية. يلجأ عبدالسلام لتجريد الواقع، فإن رحلة ونيس لاتخاذ قراره ليست سوى رحلة تحري عن الهوية، هوية الأنا وهوية (هم)، هل نقتات على حضارة أجدادنا؟ وهل هم أجدادنا أصلًا؟ ما الذي يربطنا بهم إذن؟ الكثير من الأسئلة يطرحها عبدالسلام تاركًا مساحة للتفكير والتأمل في الصورة والحوار.
ويبدو من خلال الفيلم أن عائلة ونيس ـوحتى ونيس ذاته- لا يفهمون مكانة هذه التوابيت، فهي تترجم عندهم إلى مجرد ذهب يعيشون من بيعه، ويتضح هذا من خلال حديث ونيس مع الشاب الغريب من الوادي، الذي ربما يكون كناية عن الغربي المنبهر بالحضارة المصرية:
الغريب: يقولون أنهم يبحثون عن قوم نعيش اليوم على أطلالهم .. يسمونهم الجدود ويقرءون على الحجر كتاباتهم وأسماءهم .. ويهتمون بهم ويحافظون على ..
ونيس: كفى .. إنهم موتى .. موتى لا.. أحد يعرف لهم أباء أو أبناء..
يلجأ عبدالسلام في الحوار إلى الغة العربية الفصحى، فهو يستخدمها للمصري والأجنبي، القاهري والصعيدي على حد السواء، رغبة منه في تعميم القضية، فقضية الهوية والصراع الأخلاقي، والانصياع للموروثات أمر عام يتشارك فيه الجميع، فباستخدام لغة عربية بيضاء قد ساوى بين الجميع.
ويُصرح عبد السلام “إنى أحاول في الواقع أن أعبر عن قضية عامة جدا لكنها تأخذ القالب المصري، البيئة والحياة والتاريخ الذي أعرفه وأحس به أكثر من غيره”.
النسيج البصري

أما على الناحية البصرية، رسم شادي عبدالسلام نموذجًا للكمال السينمائي البصري، فللمرة الأولى مخرج مصري يقوم برسم جميع مشاهد الفيلم قبل البدء في تصويره، كانت خطته ورؤيته الفنية واضحة إلى هذا الحد الذي يجعل التخيل والواقع يتطابقان بعد التنفيذ، فضلًا عن مهاراته في توظيف الزوايا وحركة الكاميرا والإضاءة والألوان للترميز إلى أفكاره، فنجد الكاميرا في مشاهد تتبع البطل ونشعر بالتوحد معه في معضلته، وأحيانًا أخرى تتلصص على حوار العم فيشعر المتفرج وكأنه متورطًأ معهم داخل الحدث.

وتتضافر جميع العناصر الفنية من ديكور، ملابس، تكوين، كادرات فائقة العذوبة، موسيقى تصويرية تستخدم بحساب دقيق، وتمثيل انسيابي متأني لعزف سيمفونية بصرية تبقى لأعوام أسطورة عصية على المنافسة، فلم يستطع أحد بعده تقديم صورة للمصريين القدماء كما قدمها عبدالسلام.
مصري بمعايير عالمية
أثار الفيلم جدلًا قبل تصويره، فقد رأى رئيس مؤسسة السينما أن الفيلم معقد وسيؤدي لخسارة فادحة، كما تأخر عرضه لعدة سنوات فعرض لأول مرة في مصر عام 1974، حينما شاهده يوسف السباعي، وزير الثقافة آنذاك في طوكيو، وعبر عنه أنه فيلم مصري يرقى للمعايير العالمية.
وحظى الفيلم بترحابٍ عالمي واسع، وترشح لمهرجانات ضخمة حصد من خلالها جوائز مهمة مثل جائزة جورج سادول، وجائزة النقاد في مهرجان قرطاج، وجوائز أفضل فيلم في إنجلترا وإيطاليا.
حلم غير مكتمل
وبين عدة أفلام قصيرة أخرجها عبدالسلام، مثل شكاوى الفلاح الفصيح، جيوش الشمس، وكرسي توت عنخ آمون الذهبي، كان فيلم المومياء هو تحفته الروائية الوحيدة، فلم يمهله الحظ فرصة لخروج مشروع فيلمه الأخير إخناتون للنور، وكان قد انتهى من كتابته وإعداد كافة تفاصيله لتكلفته ولكن تعطل إنتاجه لتكلفته الإنتاجية الضخمة.
























