يدخل السوق العقاري المصري مرحلة جديدة تتزايد فيها إجراءات التنظيم والرقابة، بالتوازي مع تحركات تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين بيئة الاستثمار، في وقت بدأت فيه شركات التطوير العقاري إعادة ترتيب أوضاعها وملفاتها استعدادًا لمزيد من المتابعة والرقابة على معدلات التنفيذ والالتزامات تجاه العملاء.
وتكشف تصريحات عدد من الخبراء والمتخصصين أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بمحاسبة الشركات المتعثرة أو المخالفة، وإنما تمتد إلى إعادة ضبط العلاقة بين المطور والمشتري وجهة الولاية، إلى جانب معالجة الأعباء الضريبية وتبسيط الإجراءات، بما قد يفرض قواعد جديدة على أطراف السوق كافة.
المطورون يراجعون أوضاعهم قبل مرحلة جديدة من الرقابة
وقال الدكتور جلال الشيخ، الخبير الاقتصادي والعقاري وعضو جمعية المطورين العقاريين ومدير عام السلمانية جروب، إن المطورين العقاريين بدأوا تجهيز ملفات شركاتهم، وسط حالة من الترقب للإجراءات والقرارات الجديدة المتعلقة بمتابعة النشاط العقاري.
وأوضح الشيخ، أن الشركات التي تواجه مشكلات مع العملاء تحاول حاليًا حلها، في الوقت الذي تعمل فيه الشركات التي لديها ملفات أو مشكلات مع أجهزة الدولة على توفيق أوضاعها وإنهاء هذه الملفات.
وأكد جلال، أن السوق يواجه نوعين من المشكلات؛ الأول يتعلق بعدم التزام بعض المطورين تجاه العملاء، والثاني يرتبط بمشكلات المطورين مع الدولة فيما يخص الرخص والتراخيص والتصاريح والإجراءات المختلفة.
وأشار الشيخ، إلى أن التعامل مع ملف الشركات لا يجب أن يقتصر على المحاسبة، وإنما ينبغي أيضًا دراسة أسباب المشكلات والعمل على حلها، خاصة أن بعض الأزمات ترتبط بإجراءات وتراخيص وتصاريح.
وقال جلال، إن وزارة الإسكان هي الجهة المنوط بها تنظيم وإدارة الملف العقاري والسكني في مصر، معتبرًا أن تنظيم السوق وفلترة الشركات كانا مطلبًا مطروحًا منذ فترة طويلة.
وأضاف الشيخ، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعاون بين الوزارة والمطورين، بحيث تعمل الدولة على تنظيم السوق، بينما يساعد المطورون في تنفيذ هذه الإجراءات والالتزام تجاه العملاء.
أسامة سعد الدين: حماية المشتري يجب أن تكون في مقدمة الأولويات
من جانبه، أكد المستشار أسامة سعد الدين محمد رجب، المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، أن الإجراءات المتعلقة بالشركات المتعثرة أو المقصرة تصب في صالح المشتري وصناعة التطوير العقاري، مشددًا على أهمية وجود قواعد واضحة يعرف المستثمر التزاماته على أساسها منذ البداية.
وقال سعد الدين، إن اللجنة المنتظر تشكيلها لحصر الشركات التي لديها أوجه قصور يجب ألا تكتفي بتحديد الشركات، وإنما عليها دراسة أسباب التعثر، موضحًا أن بعض الحالات قد تحتاج إلى قدر من المرونة، بينما الشركات التي لا توجد لديها إمكانية حقيقية للاستمرار يجب وضع آليات واضحة للتعامل معها.
وشدد أسامة، على أن أي إجراءات تستهدف إصلاح أوضاع الشركات يجب ألا تؤدي في النهاية إلى الإضرار بالمشتري، مؤكدًا أن العميل لا ذنب له في الظروف التي قد تواجه الشركة.
وأشار سعد الدين، إلى أن غرفة صناعة التطوير العقاري تعاملت خلال الفترة الماضية مع شكاوى العملاء بصورة ودية، وتمكنت من حل ما بين 80% و85% من الشكاوى التي وصلت إليها، من خلال التواصل مع الشركات ومحاولة الوصول إلى حلول مناسبة.
وأوضح أسامة، أن بعض الحالات لم تكن الشركة مسؤولة عنها، مثل عدم قدرة العميل على استكمال الأقساط بسبب ظروف طارئة، حيث تم في بعض الحالات اللجوء إلى إعادة جدولة المبالغ أو تجميع أكثر من وحدة في وحدة واحدة وفقًا لطبيعة كل حالة.
وطالب سعد الدين، بخروج الاتحاد المصري للمطورين العقاريين إلى النور، معتبرًا أن وجوده يمكن أن يوفر أدوات أكثر فاعلية لفض المنازعات والتعامل مع الشركات المخالفة بصورة قانونية، مؤكدا أن الهدف النهائي يجب ألا يكون حماية المطور فقط، وإنما الحفاظ على مثلث المطور والعميل وجهة الولاية، بما يضمن استقرار الصناعة وحقوق أطرافها.
رشا وحيد: تعديلات ضريبية لتخفيف الأعباء وتحفيز الاستثمار
وفي جانب آخر من المشهد، قالت الدكتورة رشا وحيد، خبيرة المحاسبة والمراجعة والاستشارات المالية، إن وزارة المالية ومصلحة الضرائب العقارية أقرتا حزمة من التعديلات والتسهيلات الضريبية بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحفيز الاستثمار العقاري والصناعي.
وأوضحت رشا، أن التعديلات تتضمن رفع حد الإعفاء لصافي القيمة الإيجارية للمسكن الخاص الذي يتخذه المواطن مسكنًا رئيسيًا له ولأسرته إلى 100 ألف جنيه سنويًا، بما يعادل عقارات بقيم سوقية تصل إلى نحو 8 ملايين جنيه.
وأضافت وحيد، أن الحزمة تتضمن حوافز للالتزام بالسداد، من بينها خصم 25% للوحدات السكنية و10% للوحدات غير السكنية عند تقديم الإقرارات والالتزام بالمواعيد، إلى جانب خصم إضافي بنسبة 5% عند السداد المقدم تحت حساب الضريبة.
وأشارت رشا، إلى وضع حد أقصى لمقابل التأخير بحيث لا يتجاوز قيمة أصل دين الضريبة المستحق، فضلًا عن إتاحة تقديم إقرار ضريبي موحد للمالك الذي يمتلك أكثر من عقار في نطاق مأموريات مختلفة، مع التوسع في تقديم الإقرار والسداد إلكترونيًا.
كما تضمنت التعديلات، بحسب وحيد، إتاحة التصالح في المنازعات الضريبية المنظورة أمام اللجان أو المحاكم مقابل أداء 70% من الضريبة المتنازع عليها، إلى جانب تسوية أوضاع العقارات غير المحصورة من خلال المحاسبة الضريبية اعتبارًا من تاريخ تقديم الإقرار دون أثر رجعي.
3 رسائل للسوق.. انضباط الشركات وحماية العميل وتسهيلات ضريبية
وتشير هذه التصريحات مجتمعة إلى أن السوق العقاري يتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه؛ فبينما تتجه الدولة إلى زيادة الرقابة على الشركات ومتابعة تنفيذ المشروعات والتزامات المطورين، يطالب العاملون بالقطاع بأن تتزامن المحاسبة مع معالجة أسباب التعثر والمشكلات الإجرائية التي تواجه الشركات.
وفي المقابل، تأتي التسهيلات والتعديلات الضريبية لتخفيف جزء من الأعباء على المواطنين والمستثمرين، وتبسيط التعامل مع المنظومة الرسمية، بما قد يدعم توجه الدولة نحو سوق عقاري أكثر تنظيمًا ووضوحًا.
وبين مراجعة ملفات الشركات، وحماية حقوق المشترين، وتوفيق أوضاع المطورين، وتخفيف الأعباء الضريبية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستضع العلاقة بين أطراف السوق أمام قواعد أكثر وضوحًا، مع استمرار الرهان على قدرة الدولة والمطورين على تحويل إجراءات الرقابة إلى آليات فعلية لضبط السوق دون الإضرار بالاستثمار أو حقوق العملاء.
اقرا ايضا: ياسر قورة: السوق العقاري المصري «فرصة ذهبية» لجذب الاستثمارات الأجنبية.. ودبي نموذج يستحق الدراسة





















