يروى لنا بن إياس، أن السلطان قطز كان قد بدأ بالخروج بجيشه من القاهرة لملاقاة هولاكو، عندما عَلِم أن الأخير قد وصل بجيشه إلى العريش، فالتقى الجيشان بعين جالوت، لتدور المعركة الشهيرة، وانتصر الجيش المصري الذي عزز نصره في عين جالوت بنصرٍ آخر في بيسان، ودخل السلطان أرض الشام، فإستخلصها من أيدي بني أيوب، ومَهَّد البلاد الشامية والبلاد الحلبية، ووَلى بها من إختار من أنصاره، ثم قصد عائدًا إلى مصر.
يروى لنا بن إياس، أن السلطان قطز توقف بجيشه في مدينة القرين(*) للراحة قبيل دخول القاهرة ،فرأى أرنبًا يجرى في الصحراء.
قرر قطز، أن يطارد الأرنب لصيده، وقد كان معه كبار أمراءه وعلى رأسهم الأمير بيبرس البندقداري الذي كان السلطان قد أهداه جاريةً حسناء من سبايا التتار.
اقترب بيبرس من قطز، فظن الأخير أنه يريد تقبيل يده تعبيرًا عن إمتنانه للهدية، فلما مَدَّ يده، أمسك بها بيبرس وضربه بالسيف، ليأتي باقي من كانوا معه من الأمراء، فيجهزواعلى السلطان ضربًا بالسيوف.
يُرجِع بن إياس، سبب غضب بيبرس من قطز، إلى أن السلطان كان قد وعد بيبرس بأن يكون حاكمًا على حلب، ولما إنتصر بعين جالوت، أخلف وعده، وعلى الرغم من إجماع العديد من المؤرخين على هذا الأمر، إلا أن ما أثار فضولي، هو موقف باقي الأمراء الذين عاونوا بيبرس على قتل قطز.
فإذا كان هناك سبب شخصي لبيبرس كي يفعل فعلته تلك، فما عساهيكون مبرر قيام باقي الأمراء بمشاركته، إلا إن كان قطز قد وَعَدهم بشيئ وأخلفه، وهو ما لم يرد بشأنه ذِكرٌ في أيٍ من المراجع.
يفسر بعض المؤرخون ما حدث من باقي الأمراء، ويتفق معهم كاتب هذه السطور، بأن صراعًا على النفوذ كان قائمًا بين طائفتين كبيرتين من الأمراء، هما المماليك المُعزية وكان قطز ينتمي إليهم، والمماليك الصالحية، وكان بيبرس واحدًا منهم.
وكان من عاداتهم أن يتجمعوا عند الحروب التي تهدد وجودهما معًا، ثم تتفرغ -بعد زوال خطر الحرب- كل طائفة للقضاء على الأخرى، فيما عُرِف بقاعدة “الحُكمُ لمن غَلَب”، في غياب كاملٍ للشعب المحكوم دون إرادة منه، فكان هذا السبب هو الأقرب للمنطق، في تفسير مشاركة الأمراء لبيبرس في قتل قطز بعد النصر.
يروى لنا بن إياس، أن أهل القاهرة كانوا في إنتظار السلطان قطز بالأفراح والزينات بعدما هزم الجيش التتار تحت رايته. وما أن طلع النهار، نادى المنادي في القاهرة: “ترحموا على الملك المظفر قطز، وإدعوا بالنصر للملك الظاهر بيبرس”.
انشغل بيبرس بتثبيت حُكمه، فَوَلَّى من يدينون له بالطاعة والولاء، لترِدُهُ أخبارٌ بأن شخصًا من بني العباس يُدعَى الإمام أحمد الظاهر بأمر الله ،وهو أخو الخليفة المستنصر بالله، قد حضر إلى مصر.
التقاه بيبرس وفرح الناس بذلك فرحًا شديدًا، على إعتبار أن واحدًا من نسل العباسيين مازال حيًا يُرزق، ويمكن أن يعيد دولة الخلافة بعدما كان هولاكو قد أعلن أنه قضى عليهم قضاءًا مبرمًا.
لما ثبت لبيبرس صحة نسب الإمام أحمد للعباسيين، بايعه بالخلافة تحت لقب المستنصر بالله على لقب أخيه، وقام بتجهيز جيش له، أنفق عليه المال الوفير، كي يعود لمحاربة الأمير قرابُغا أمير التتار في بغداد، ليلقى هزيمة نكراء قُتل فيها.
في العام التالي مباشرةً، وردت الأنباء بموت هولاكو، وبأن شخصًا آخرًا من بني العباس يُدعى أحمد أيضًا، قد حضر إلى مصر، فنال ما نال سَمِيُّه من ترحاب، وبايعه بيبرس تحت لقب “الحاكم بأمر الله” وإليه يُنسب نقل الخلافة من بغداد إلى مصر.
حِتَّة مِن مَوّال
نَادىَ المُنادي ع الرُطَب والخُضار
بِحِس أزيَّن مِن أسامي الحَريم
يا كُل دي الجنة ودار النَعيم
أهل الحِرَف والحمالين والتُجَار
في دولة المماليك يشموا النَسيم
وفي ألف ليلة يطلعوا ألف رِحلة
مع الخَيال وبيسألوا الكِنز فين
ما بيعرَفوش الكِنز بين الإيدين
قُولِة حَتوحَشني وقُولِة حَتِحْلى
توَدَّع الشُطار بِغَمزة عين
والكِدب أخضر في الزمان القديم
كُل التاريخ مَكتوب بحِبر أليم
(*)تقع ضمن زمام محافظة الشرقية الآن.





















