بقلم – أحمد شوقي العطار
من أجمل ما قيل عن الحرية، إنها الشيء الوحيد الذي يجعلك تشبه نفسك.
صاغ هذا المعنى العبقري الروائي الفلسطيني الكبير إبراهيم نصر الله في روايته البديعة “أعراس آمنة”: “تجعل الشارع يشبه نفسه، والصباح نفسه، والحب نفسه، والعمر نفسه، كل شيء يشبه نفسه…”.
تختلج في صدري كلمات نصر الله عن الحرية كلما قفز إلى ذهني السؤال الذي يشغل الجميع منذ فترة: لماذا لم تعد مصر كما كانت؟
ببساطة، لأنها لم تعد تشبه نفسها.
الحرية هي روح الصحافة
في غياب الحرية، الصحافة مجرد جسد بلا روح، ميت إكلينيكيًا، لا يتبقى أمامه سوى الدفن ومراسم العزاء، وإن تأخر إعلان الوفاة.
هذه ليست شعارات، لقد اثبتت تجارب الدول المتقدمة أنه لا يمكن نجاح أية تحولات ديمقراطية أو تقدم اقتصادي أو بناء أو تنمية من دون حرية واستقلال الصحافة.
حين تتقلص قدرة الصحافة عن التعبير بحرية عن حقائق المجتمع وما يجرى فيه من أحداث وتحولات تفقد مصداقيتها وتأثيرها، وبالتالي تفقد قرائها، ما يعني هبوطًا حادًا في التوزيع في حالة الصحف الورقية، أو تراجعًا كبيرًا في المشاهدات والمتابعات في حالة القنوات والمواقع الإلكترونية.
في نفس الوقت، لن يرضى أو يقبل جمهور العصر الحالي بصحافة مقيدة، ولن يتوقف عن حقه الطبيعي في المعرفة واستهلاك الأخبار، لذا سيدير ظهره بهدوء لصحافة الصوت والرأي الواحد، ويبحث عمن يسد ذاك الفراغ الكبير.
هنا نحن أمام أموسومرين كلاهما أخطر من الأخر
إما أن يسلم الجمهور عقله طوعًا لأجندات الصحف والقنوات والمواقع الخارجية، أو يفتح ذراعيه لفوضى مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب والتضليل الإلكتروني.
هذا باختصار ما حدث في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة.
ضف إلى ذلك، أن غياب الحرية وضعف تأثير الصحافة والإعلام المصري، أفقد مصر جزءًا كبيرًا من قوتها الناعمة، التي كانت ذراعًا رئيسًا لها عبر عقود طويلة، وبالتالي أفقدها الريادة في محيطها الإقليمي.
إذن، نحن أمام أزمات متفاقمة وأخطار مضاعفة، مواطن فقد الثقة في صحافته وإعلامه الوطني لصالح إعلام خارجي ووسائط تعج بالتضليل، ووطن فقد تأثيره وريادته لصالح قوى إقليمية أخرى لها مصالح وأهداف، قد تتعارض مع مصالحنا وأهدافنا.
ناهيك عن خسارة المليارات التي صرفت على قنوات وصحف زادت الهوة اتساعًا بين السلطة والشعب.
ما الحل إذن؟
لا يوجد حل سوى إطلاق الحرية للصحف والإعلام في مصر، وفتح الباب على مصراعيه للصحفيين المهنيين والجادين والمحبين للوطن، والمدافعين عنه، وهم كُثر، لأداء وظيفتهم الأساسية المعنية بالتنوير والتعبير عن الناس ونقل الحقائق وفتح النوافذ.
لا معنى ولا طائل من تقييد الصحافة والإعلام وملاحقة الصحفيين وحجب المواقع، في عصر يعرف فيه الجميع كل شيء في نفس اللحظة بضغطة زر، سواء عبر وسائل الإعلام الخارجية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
من المهم أن تعي الدولة ذلك
من المهم أيضًا أن يتخلى القائمين عليها عن تلك القناعة المستقرة لديهم، بأن هامش الحرية الذي تركه نظام مبارك طوال سنوات حكمه، هو الذي تسبب في انهياره واندلاع ثورة 25 يناير.
هذه القناعة خاطئة تمامًا، وهامش الحرية في عهد مبارك أدى لبقائه 30 سنة في الحكم، والفساد التغيرات والضغوط التي مارستها حكومات رجال الأعمال، فيما بعد 2005، وغياب أي أمل في التغيير، هو ما أدى إلى ثورة يناير.
الصحافة لا تصنع الثورات، على حد تعبير أستاذنا الكبير عبد الله السناوي، بل يصنعها الفساد وضيق الأفق وإهدار الحقوق وممارسات القمع وغياب العدالة والمحاسبة.
الحرية لا تخلق الفوضى، بل يخلقها الخوف والجوع واليأس والهزيمة والكُفر بالوطن وبالأمل.
على السلطة أن تدرك أن ” شبه” الصحافة والإعلام يضر الدولة قبل أي شيء، وأن الصحافة الحرة هي ضمانة أساسية لنهضة المجتمعات واستقرار الدول ونجاح الحكومات في تحقيق أهدافها، وأن الحديث عن أي مشاريع تنموية أو انجازات أو جمهورية جديدة، لم يعد يحمل أي معنى لدى المجتمع، مع مواصلة تقييد حرية الصحافة والتعبير.
في اللحظة الراهنة، أصبح فك الأغلال عن الصحافة مسألة حياة أو موت، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وحالة الغليان والإحباط لدى الناس، لأن استمرار غيابها يهدد باستمرار المسيرة التراجعية وتفاقم الأزمات على كل المستويات، ويزيد من حالة التخبط والقلق وانعدام الثقة في الشارع، ما قد يسفر عنه ما لا يحمد عقباه.
الحرية هي الحل، لمصلحة الجميع
لحظتان شعرت فيهما، مؤخرًا، بنسائم الحرية تتسلل بخفة لداخلي، وتلطف سنوات من الجفاف والكبت والجمود:
الأولى، حينما وصلني خبر فوز خالد البلشي بمقعد نقيب الصحفيين، بينما كنت جالسًا على سُلم النقابة أصارع اليأس.
والثانية، عندما أعلن الصديق العزيز والصحفي الكبير عمرو بدر، ورفاقه، عن خروج تجربتهم الصحفية الجديدة للنور، في ثوب جميل ورشيق، وبعنوان أحيا في قلوبنا الأمل من جديد، “الحرية”.
أتمنى لهذه التجربة أن تعيد لنا الصحافة التي تشبه نفسها.





















