في عيد الشرطة الـ 72 الذي يحتفل فيه المصريين عامة ورجال الشرطة خاصة، هو ذات اليوم الذي يعود على زوجات وأمهات بل وأبناء الشهداء، بمشاعر مختلطة تجمع بين الحزن والحسرة تارة والفخر والاعتزاز تارة أخرى، لرحيل رجال دماؤهم تروي أرض مصر، وأرواحهم حية عند ربهم يرزقون، حاملين أكفانهم على أيديهم، جراء كل عملية يقومون بها، ولا يهابون الموت، هم شهداء الشرطة المصرية في كل مكان، فأجرى موقع الحرية حوار مع عدد من أسر الشهداء، ورصد تفاصيل استشهاد ذويهم.
الشهيد عمر إبراهيم القاضي
تمنى الشهادة ونالها، ولد الشهيد عمر إبراهيم القاضي، 5 أغسطس 1995، وتخرج من كلية الشرطة 2017، ثم التحق بقطاع الأمن المركزي، واستشهد في أول أيام عيد الفطر 5 يونيو 2019، جراء عملية هجوم إرهابي مسلح على كمين «البطل 14» شمال سيناء، وشيع جثمان الشهيد في جنازة عسكرية مهيبة بمسقط رأسه في محافظة المنوفية.

وقالت والدة الشهيد، راندا محمود، إن ابنها تمنى الشهادة، ودائما كان يخبرها عن منزلة الشهادة عند الله عز-وجل، مشيرة إلى أنه اشتهر بحسن الخلق، وسعيه في قضاء حوائج الناس، وكافل للأيتام، كما أوصاها باستمرار عمل الخير الذي كان يفعله بعد استشهاده، لكنها لم تعلم أن وفاته اقتربت هكذا، لتستلمه شهيدًا في أول أيام عيد الفطر المبارك، مضيفة أنه عرف بين زملائه بتدينه وحبه لعمله وتفانيه فيه كما اشتهر بالجدية والحزم، قائلة أول من أصيب وأخر من استشهد.
يذكر أنه أطلق اسم الشهيد النقيب عمر ابراهيم القاضي، على إحدى مدارس قريته وعدد من شوارع مدينة السادس من أكتوبر، كما حول أهالي ساقية المنقدي اسم القرية إلى قرية الشهيد عمر القاضي، اعتزازا ووفاء له.
وتحرص أسرة الشهيد للعام الثالث على التوالي على إقامة المسابقة القرآنية الكبرى لحفظ القرآن الكريم، والتي يشارك فيها المئات من حفظة كتاب الله، ولم تقتصر المسابقة على أبناء قريته ومحافظة المنوفية وحسب، بل امتدت إلى داخل مصر وخارجها.
النقيب أحمد عبد الله عبد المحسن

ولد النقيب أحمد عبدالله عبد المحسن، 22 أغسطس 1996، أنهى دراسته الثانوية بتفوق، ليلتحق بكلية طب الأسنان، ولكنه عزف عن إكمال الدراسة بها، ليلتحق بكلية الشرطة، إيماناً برسالتها، ليكون ظل الله في أرضه، فتفوق في دراسته، وعين صف ضابط على زملائه في الفرقة الرابعة، وكانت رغبته الأولى لتأدية خدمته، في محافظة البحر الأحمر.
ليستشهد أثناء تأديته خدمة تأمينات العيد بالغردقة آخر يوم في شهر رمضان المبارك، 21 مايو 2021، إثر استهداف دراجة نارية لسيارته في مكان خدمته، لتنقلب السيارة ويستشهد أثناء تأدية عمله، وشيع جثمانه ليلة عيد الفطر المبارك بمسقط رأسه محافظة الجيزة.
وتقول الدكتورة سامية صلاح، والدة الشهيد، في تصريحات خاصة لـ «الحرية»، أنها لم تفقد شخص عادياً، بل كان ملاك وإماما للخير، ومرشد روحي لا يخوض مع الخائضين ولا ينتقد الشخص بل ينتقد التصرف، خلوق راقي في تعامله، مضيفة أنه عرف في مكان خدمته بالأصيل ابن الأكابر، وكان يحث الأمناء والأفراد على حسن معاملة المجرمين، حيث أن المجرم إنسان فتن، لم يوبخ أو يهين أي خارج عن القانون، بل كان حريصاً على احترام أدميته، كان إنساناً قبل أن يكون ضابطاً.

وتضيف والدة الشهيد أنه كان نموذج للحكمة، ملك البصيرة وكان يستبشر الأمور قبل حدوثها، مشيرة إلى تدينه وحبه لقصص الأنبياء، الذي كان دائم الحديث معنا عن حياتهم، احتسبته معهم برفقتهم يقصون عليه قصصهم بأنفسهم، متذكرة رؤيته بالمنام في طفولته بأن الله سبحانه وتعالى أرشده إلى قصره فى الجنة.
أين تذهب أرواح الشهداء
وتوضح الدكتورة سامية قبل استشهاده بيوم، سألها عن مكان أرواح الشهداء، لتجيبه قائلة «أنها فى حواصل طيور خضر، بقناديل ذهب، معلقة بعرش الرحمن، تسرح بالجنة، تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها».
وبعد وفاته أخبرها أحد أصدقائه بأنه رأى في المنام، أنه برفقة سيدنا يحيى ممسك بيده، أخبره أن الله سيخلد ذكراه إلى يوم الدين، وكأنها رسالة من الله إليها، ليربط على قلبها المكلوم، مضيفة أن أحد الجيران رأى الشهيد قبل استشهاده، وهو يقف أمام منزله وتحيط به هالة نور شديدة.
وأدى عبد المحسن العمرة في السعودية قبل وفاته، ودعا الله أن يحفظ مصر، ويوفقه في تأدية واجبه كضابط، كما أوصى والدته بوضع المصحف الشريف في شنطته الخاصة، ليكون رفيقه في رحلته، وقبل استشهاده بأسبوع، شارك في صدقة جارية في بناء مسجد، كان ينوي إدخال السرور على قلوب الأطفال يوم العيد بتوزيع الهدايا والألعاب لهم.
واختتمت والدة الشهيد حديثها قائلة: «وقفت على غسله، وأخذت الطبنجة من جيبه وقولتله، أنا بشيل هم السلاح عنك يا أحمد لقد أوفيت بالقسم وحافظت على سلاحك، و لبيت نداء بلدك يا بني فلا تحزن على الدنيا والآخرة خيراً وأبقى».
أخر منشوراته عبر «فيس بوك»
ومن أكثر الآيات التي نشرها عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، الآية 19 من سورة الحديد: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ».
وآخر ما نشره قبل استشهاده، كانت خواتيم سورة لقمان: «إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ (34)».
يذكر أنه أطلق اسم الشهيد النقيب أحمد عبد الله عبد المحسن على المسجد تخليداً لذكراه، كما حصل قبل وفاته على نيشان التفوق التدريبى بالسلاح، كما تكرم من رئيس الأكاديمية لتفوقه فى السلاح، وحصل على شهادة تفدير وهو بالصف الرابع بكلية الشرطة لتميزه، وتكرم من قائد كتيبة الطلبة بكلية الشرطة.
النقيب مصطفى محمد عثمان

ولد النقيب مصطفى محمد عثمان 21 يونيو 1993، في محافظة أسيوط، والتحق بكلية الشرطة 2011، إقتداءً بوالده اللواء بالمعاش محمد عثمان سيد، مساعد مدير أمن الأقصر سابقاً.
وتوضح مي عثمان، شقيقة الشهيد مصطفى عثمان في تصريحات خاصة لـ «الحرية»، أنه كان بار بوالديه وذويه، سباق للخير ساع لقضاء حوائج الناس، يسدي المعروف للأقرباء والغرباء، كما أفنى حياته في خدمة وطنه، ولقب بالشهيد الضاحك لضحكته التي كانت لا تفارق وجهه، مضيفة أنه لقب بين زملائه بـ «الدبابة»، لحرصه الدائم على تقدمه في أي عملية أمنية.
وفي راوية لأحد المجندين الذين خدموا مع الشهيد مصطفى عثمان في سيناء قال: «ذات يوم أثناء قيام العناصر الإرهابية بإطلاق الرصاص على أحد المجندين قام الشهيد مصطفى عثمان على الفور بإخراج المجند من مكان خدمته، ليجلس في مكانه ويتلقى الخطر بدلاً عنه».
وتقص والدة الشهيد الدقائق الأخيرة التي سبقت استشهاد نجلها قائلة: أنه أصر على صلاة العشاء في جماعة، وتصادف أثناء خروجه من المسجد بسيدة بسيطة تسأله المساعدة فتصدق من فضل الله عليه، مستكملة وفي تمام الساعة التاسعة، مساء يوم الثلاثاء، 25 يونيو 2021، قامت سيارة مفخخة تحمل عناصر إرهابية، يتقدمها شخص حامل لحزام ناسف، ومن خلفه عنصر إرهابي مسلح لتأمينه، وصل الشخص المفخخ إلى قلب الكمين الأمني، المستهدف، في منطقة السوق والموقف والمسجد الخاص بمنطقة الرفاعي، ليقرر الشهيد تخليه عن حرم الكمين، والتصدي لتلك العناصر بعيداً بقدر الإمكان عن المدنيين وزملائه من الضباط والجنود.
نجح بالفعل الشهيد مصطفى عثمان في قتل الإرهابي المرتدى للحزام الناسف، وذلك قبل تمكنه من التفجير، إلا أن الإرهابي الآخر من خلفه أطلق الرصاص على الشهيد، وفي ذات اللحظة ورغم إصابته، أطلق الشهيد النار على هذا الإرهابي، كما أطلق ما بقي بالزخيرة في سلاحه، على العناصر الإرهابية مستقلي السيارة المفخخة، وأصاب وقتل بشجاعة عدداً من الإرهابيين، وذلك بعد إصابته بالطلق الناري الذي أدى إلى استشهاده فيما بعد.
ويذكر أنه أطلق اسم الشهيد البطل مصطفى عثمان على ميدان الحمامة سابقا،ً في شارع الهلالي، والذي يعد أكبر ميادين محافظة أسيوط.، وكذلك على مدرسة التحرير الإبتدائية، في مركز مدينة ملوي مسقط رأس والده.
الرائد أشرف جاد

ولد في 11 نوفمبر 1991، بقرية البرامون التابعة لمحافظة الدقهلية، والتحق بكلية الشرطة 2009، وفور تخرجه التحق بقطاع الأمن المركزي بمدينة جمصة، واستشهد في 14 أبريل 2018، إثر هجوم إرهابي من العناصر التكفيرية، على معسكر القسيمة التابع للقوات المسلحة، من بينهم 4 أشخاص مفخخين بأحزمة ناسفة، في محاولة منهم للتسلل إلى داخل المعسكر، لتفجير مبيت الضباط ومخزن الزخيرة .على معسكر القسيمة التابع للقوات المسلحة.
تصدى الشهيد وزملائه الأبطال من رجال القوات المسلحة والشرطة، لهجوم الإرهابي لـ 14 من العناصر التكفيرية، من بينهم 4 أشخاص مفخخين بأحزمة ناسفة في محاولة منهم للتسلل إلى داخل المعسكر لتفجير مبيت الضباط ومخزن الزخيرة .
وخرج الشهيد مسرعا، وظل يتعامل معهم بجانب زملائه الأبطال بكل قوة وصلابة، لفت انتباه الشهيد أثناء التصدي والتعامل مع الهجوم الإرهابي، محاولة عنصريين مفخخين التسلل إلى مبيت الضباط ومخزن الزخيرة لتفجيرهما، قضي على عنصر منهم من أول طلقة أطلقها من سلاحه.
وأثناء تبادل إطلاق النيران أصيب الشهيد بطلقتين في ساقه الأيمن وظل يقاتل لآخر أنفاسه رغم إصابته، مما دفع الإرهابي إلى تفجير نفسه خارج باب المعسكر، ونتيجة لقوة الموجة الإنفجارية أصيب البطل بنزيف داخل المخ، أدى إلى استشهاده على الفور، وشيع الشهيد إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه، قرية البارامون، في جنازة شعبية مهيبة تقدمها مندوبي رئيس الجمهورية، ووزارة الداخلية، ومحافظي ومديري أمن المحافظات المجاورة.
وتقول إيمان جاد، شقيقة الشهيد، في تصريحات خاصة لـ «الحرية»، أنه اختار أن يكون في الصفوف الأولى لمواجهة الإرهاب، رغم قدرته حينها أن يعمل في مكاتب وزارة الداخلية، خاصة أن عمه اللواء أحمد جاد، كان أحد قيادات وزارة الداخلية أنذاك، لكنه رفض، مشيرة إلى مشاركته في جميع مراحل عملية حق الشهيد، الذي قدم بها أفضل ما عنده في جميع المداهمات التي شارك فيها، وقتل العديد من الإرهابيين.
وتضيف شقيقة الشهيد أنه كرم عدة مرات من قيادته، وكان من أوائل المجموعات التي شاركت في دخول جبل الحلال وتحريره، ولقب بـ «أسد سيناء»، نظرا لشجاعته وإقدامه، ومنح له وسام الجمهورية بالإضافة إلى وسام وزارة الداخلية، كما أطلق اسم الشهيد على قطاع الأمن المركزي بوسط سيناء، كما أطلق محافظ الدقهلية اسم الشهيد البطل أشرف جاد على المدرسة الثانوية بالبرامون.
























