في واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية داخل المشهد التشريعي، يتصدر مشروع قانون الأحوال الشخصية واجهة النقاش السياسي، كاشفًا عن تباينات واضحة بين الأحزاب حول كيفية تنظيم قضايا تمس أدق تفاصيل الحياة الأسرية.
وبين رؤى تدعو إلى التغيير الجذري وتحديث الأدوات، وأخرى تفضل البناء على ما سبق بضوابط مدروسة، يتصاعد الجدل بحثًا عن صيغة قانونية عادلة، توازن بين حقوق الأطراف، وتضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات، بعيدًا عن الحلول الجامدة التي لم تعد تعكس واقع الأسرة المصرية.
فؤاد: مشروع “العدل” للأحوال الشخصية في أسبوع.. 152 مادة مستندة لتجارب سابقة وحوار مجتمعي قبل الإقرار
قال الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، إن الحزب انتهى من إعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، مؤكدًا أنه “بُني على جميع التجارب السابقة” بهدف الوصول إلى صياغة أكثر توازنًا وعدالة.
وأوضح فؤاد، خلال حواره مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامج “الحكاية” على قناة “إم بي سي مصر”، أن مشروع القانون يتكون من نحو 152 مادة، ومن المقرر تقديمه إلى مجلس النواب خلال الأسبوع المقبل، عبر النائبة الدكتورة فاطمة عادل.

وأشار إلى أن المشروع استفاد من عدد من المبادرات والمشروعات السابقة، من بينها مشروع حزب الوفد، ومقترحات مؤسسة قضايا المرأة، إلى جانب مشروعات قدمتها نائبات بالبرلمان، في إطار محاولة لصياغة قانون يعكس خبرات متعددة ورؤى متنوعة.
وكشف رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل عن تنظيم حوار مجتمعي موسع حول مشروع القانون، يعقد مساء الأحد بمقر الحزب، بهدف طرحه للنقاش العام والاستماع إلى مختلف الآراء، مؤكدًا أن “المجتمع الذي لا يواجه مشاكله هو مجتمع عاجز”، ومنتقدًا في الوقت ذاته الخلط بين الجوانب الموضوعية والإجرائية في القانون الحالي.
تنظيم الاستضافة.. توازن بين الاستقرار والتواصل
وفيما يتعلق بملف “الاستضافة”، أوضح فؤاد أن رؤية الحزب تقوم على وضع إطار منضبط يحقق التوازن بين حق الطفل في الاستقرار وحق الطرف غير الحاضن في التواصل، مشيرًا إلى أن المقترح يحدد مدة الاستضافة بما لا يقل عن 8 ساعات ولا يزيد على 24 ساعة أسبوعيًا.
وأضاف أن المشروع ينظم أيضًا فترات الإجازات، بحيث تشمل 5 أيام متصلة خلال إجازة منتصف العام، و15 يومًا خلال الإجازة الصيفية، مع إقرار مبدأ المناصفة في الأعياد.
الحضانة.. سن إرشادي وسلطة تقديرية للقاضي
وبشأن سن الحضانة، أكد فؤاد أن مشروع الحزب ينص على انتهائها عند 9 سنوات، مع منح القاضي سلطة تقديرية لإسناد الحضانة وفقًا لظروف كل حالة، بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل.
وشدد على أن الطفل “ليس محل نزاع أو ملكية”، بل إنسان له احتياجات نفسية واجتماعية يجب مراعاتها في أي تنظيم قانوني.
دعم نفسي وتسوية النزاعات
ولفت إلى أن الرؤية العامة للمشروع تعتمد على تفعيل دور مكاتب التسوية والأخصائيين النفسيين، لضمان إدارة النزاعات الأسرية بشكل أكثر إنسانية وفعالية، بما يقلل من حدة الصراعات ويحافظ على استقرار الأطفال.
وأكد فؤاد أن الهدف النهائي من مشروع القانون هو الوصول إلى صياغة متوازنة تعالج أوجه القصور في التشريعات الحالية، وتحقق العدالة بين الأطراف، مع وضع مصلحة الطفل في صدارة أولويات القانون.
قورة: “الوفد” يُعيد إحياء مشروع الأحوال الشخصية المجمد.. 102 مادة على طاولة التعديل
قال المهندس ياسر قورة، عضو الهيئة العليا والاستشارية العليا لحزب الوفد، إن الحزب أعد مشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية يتضمن 102 مادة، جرى العمل عليه خلال الفترة من 2015 إلى 2018، وتم تقديمه إلى مجلس النواب آنذاك، قبل أن يتم تجميده على خلفية الجدل والخلافات التي أثيرت حوله.
وأوضح قورة، خلال حواره مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامج “الحكاية” على قناة “إم بي سي مصر”، أن المشروع خضع لـ18 جلسة استماع شارك فيها خبراء في القانون والتربية وعلم النفس، بهدف الوصول إلى صياغة متوازنة تعكس احتياجات المجتمع.

وأشار إلى أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بشأن ضرورة تعديل قوانين الأسرة أعادت فتح هذا الملف مجددًا، مؤكدًا أن هذه التوجيهات وضعت المجتمع أمام مسؤولياته لإقرار قانون يحقق التوازن المطلوب.
وكشف عن أن حزب الوفد سيبدأ، اعتبارًا من يوم الثلاثاء المقبل، مناقشة التعديلات المقترحة على مشروع القانون، من خلال اجتماع مشترك يضم الهيئة البرلمانية للحزب في مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب “بيت الخبرة الوفدي”، وذلك لإعادة صياغة بعض المواد بما يتواكب مع المتغيرات التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.
النفقة والاستضافة والحضانة.. أبرز الملفات
وأكد قورة أن أبرز الملفات التي سيركز عليها المشروع تشمل قضايا النفقة، والاستضافة، وسن الحضانة، مشددًا على أن الهدف هو الوصول إلى قانون عادل ومتوازن يراعي مصالح جميع الأطراف ويحقق قدرًا أكبر من الاستقرار الأسري.
الجبهة الوطنية: بدائل للرؤية التقليدية وتوسيع مفهوم المعايشة
من جانبه، فجّر النائب أحمد الحمامصي، عضو مجلس الشيوخ عن حزب الجبهة الوطنية، نقاشًا واسعًا حول نظام “الرؤية”، معتبرًا أنه لم يعد مناسبًا بصورته الحالية.
ودعا إلى استبداله بنظام “المعايشة” إلى جانب “الرؤية الإلكترونية”، بما يقلل من الاحتكاك المباشر بين الأطراف ويحد من النزاعات، مؤكدًا أن الهدف هو الحفاظ على استقرار الطفل وتجنب الأزمات المتكررة.

كما طرح الحمامصي ضرورة إعادة النظر في ترتيب الأب داخل منظومة الحضانة، مشددًا على أهمية منحه موقعًا أكثر إنصافًا، إلى جانب تفعيل لجان تسوية المنازعات الأسرية بشكل حقيقي لتقليل القضايا المتداولة أمام المحاكم.
وسط الجدل التشريعي المتصاعد.. مصلحة الطفل تظل محور التوافق
وفي خضم هذا التباين، تتقاطع جميع الطروحات عند حقيقة واحدة: أن قانون الأحوال الشخصية لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة التقليدية.
وبين دعوات للحوار المجتمعي، وأفكار لإعادة تنظيم الحضانة والاستضافة والرؤية، يظل الرهان الأكبر على الوصول إلى صيغة متوازنة لا تنتصر لطرف على حساب آخر، بل تنحاز أولًا وأخيرًا لمصلحة الطفل، باعتبارها الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه أي تشريع ينظم استقرار الأسرة المصرية.





















