في السنوات الأخيرة، انشغل المصريون بالحديث عن الاقتصاد والأسعار والدين العام والاستثمارات وسعر الصرف. وانشغل آخرون بالحديث عن التعليم والصحة والإدارة وكفاءة المؤسسات، وتحولت هذه القضايا إلى محور دائم للنقاش العام، باعتبارها التحديات الأكثر إلحاحًا التي تواجه الدولة والمجتمع.
لكن وسط كل هذه النقاشات، تراجع سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل تعاني مصر فقط من أزمات اقتصادية واجتماعية وإدارية، أم أنها تعاني أيضًا من أزمة في إنتاج السياسة نفسها؟
قد يبدو السؤال نظريًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يرتبط بصورة مباشرة بقدرة أي دولة على التعامل مع تحدياتها، وتجديد أدواتها، والاستعداد لمستقبلها.
فالسياسة ليست مجرد انتخابات أو أحزاب أو مقاعد برلمانية، كما أنها ليست مجرد صراع على السلطة أو تنافس على المواقع.
السياسة، في جوهرها، عملية مستمرة لإنتاج الأفكار والبدائل والقيادات، ومراجعة الأولويات، وإدارة الاختلافات، وبناء التوافقات التي تسمح للمجتمع بالحركة والتطور والتجدد.
وحين تضعف هذه العملية، لا تختفي المشكلات، بل يصبح التعامل معها أكثر صعوبة، لأن المجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج رؤى مختلفة، وتقديم بدائل جديدة، وإعداد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، وتجديد نخبه بصورة طبيعية ومنتظمة.
وربما هنا تكمن واحدة من أهم القضايا التي تستحق التأمل في المشهد المصري الحالي.
فالمشكلة لا تبدو في غياب السياسة بالكامل، كما أنها لا تبدو في غياب الأحزاب أو المؤسسات بصورة مطلقة، فالحياة السياسية لا تزال قائمة، والأحزاب موجودة، والنقاش العام لم يختفِ تمامًا، لكن السؤال الأعمق يتعلق بمدى قدرة هذه المنظومة على إنتاج السياسة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
فالمشكلة ليست أن المصريين فقدوا الاهتمام بالسياسة، بل أن السياسة نفسها أصبحت أقل قدرة على إنتاج ما يجعل المجتمع مهتمًا بها؛ من أفكار جديدة، وبدائل مقنعة، وقيادات قادرة على بناء الثقة وصناعة الأمل في المستقبل.
هل تنتج أفكارًا جديدة؟
هل تطرح بدائل قابلة للنقاش؟
هل تُخرج قيادات جديدة بصورة مستمرة؟
هل تهيئ المجال العام لاستيعاب رؤى مختلفة حول قضايا المجتمع والدولة؟
هذه الأسئلة ربما تكون أكثر أهمية من مجرد السؤال عن عدد الأحزاب أو حجم الحضور السياسي لهذا الطرف أو ذاك.
فالأحزاب تعاني من صعوبات حقيقية في إنتاج كوادر جديدة، والمعارضة لا تزال تبحث عن الطريق الذي يسمح لها بالتحول إلى بديل سياسي قادر على إقناع قطاعات أوسع من المجتمع، بينما تبدو قطاعات واسعة من المواطنين بعيدة عن المجال العام أو غير مقتنعة بجدوى المشاركة فيه، وحتى داخل دوائر الموالاة، يظل سؤال تجديد النخب والأفكار مطروحًا بصورة أو بأخرى.
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد خلاف بين سلطة ومعارضة، أو منافسة بين أحزاب وتيارات سياسية مختلفة.
ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها لا تظهر في صورة حدث واحد أو قرار بعينه، بل تتجلى في تراكمات طويلة المدى، فحين تضعف القدرة على إنتاج السياسة، يصبح تجديد النخب أكثر صعوبة، وتتحول كثير من القضايا العامة إلى ملفات مزمنة تتكرر من دون أن تجد طريقها إلى حلول مستقرة، وتتراجع قدرة المجتمع على إنتاج البدائل أو مناقشة الأولويات بصورة فعالة.
ومع الوقت، لا يفقد المجال السياسي حيويته فقط، بل تفقد الدولة والمجتمع معًا إحدى أهم آلياتهما الطبيعية للتعلم والتجدد والتصحيح.
لأن الدول لا تتقدم فقط بما تملكه من موارد أو بما تنفذه من مشروعات، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج السياسة التي تسمح لها بتجديد أفكارها، ومراجعة أولوياتها، وتصحيح أخطائها، وإعداد قياداتها للمستقبل.
ولهذا، فإن السياسة ليست عبئًا على الدولة كما يتصور البعض، بل واحدة من أدوات قوتها.
فالدولة التي تمتلك حياة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار والبدائل والقيادات تكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، وأكثر قدرة على بناء التوافقات الضرورية لاستمرار الاستقرار والتنمية.
ومن هنا، فإن الحاجة إلى السياسة لا تتعلق فقط بتوسيع المشاركة أو تنشيط الأحزاب، بل تتعلق قبل ذلك كله بقدرة الدولة والمجتمع معًا على إنتاج المستقبل.
فمصر لا تحتاج فقط إلى إدارة الحاضر، بل تحتاج أيضًا إلى أفكار جديدة، وقيادات جديدة، وأدوات جديدة للتعامل مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون حياة سياسية تمتلك القدرة على إنتاج السياسة نفسها، لا الاكتفاء بالحديث عنها.
وربما لهذا السبب، فإن السؤال الذي يواجهنا اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى السياسة؟
بل أصبح:
كيف نستعيد القدرة على إنتاجها؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال ستكون واحدة من أهم القضايا التي ستحدد شكل الحياة السياسية المصرية في السنوات القادمة.





















