خمسة عشرة عاما علي رحيل المهندس إبراهيم شكري مؤسس حزب العمل، وهو سيرة لا تمضي، ومن حق الأجيال الحالية التي تعيش كل هذا التيه السياسي، أن تتعرف علي رموز كان جيلنا محظوظًا أن يعايشها، وأن يكون له حق الاتفاق و الاختلاف معها .. أستأذن الزملاء في موقع الحرية إعادة نشر مقال كتبته عنه عقب رحيله “توفى في ٢٠٠٨” . ” على رصيف قطار محطة سكك حديد مصر، وفي الناحية التي توقف عندها القطار القادم من الإسكندرية في ساعة متأخرة من ليل أحد أيام الشتاء منذ نحو 5 سنوات، فوجئت به وقد نزل من إحدى العربات الأمامية، يسير وحيدًا والرصيف شبه خال بخطى متثاقلة لكنها ثابتة. كنت عائدًا من الإسكندرية بعد مهمة نقابية، وعندما اقتربت منه صافحته محييًا، وأخبرني بأنه التقى منذ الصباح بعدد من أعضاء الحزب ورموزه في الإسكندرية ليناقش معهم كيفية محاولة الخروج من الأزمة التي يمر بها حزبهم الذي دخل في نفق التجميد. لم يكن أحد في انتظاره عند هبوطه من القطار لكن عند خروجه إلى الشارع استقبله سائقه الخاص فركب بجواره وتبادلنا التحية وغادر في سيارته المتواضعة.
كانت هذه هي المرة الأخيرة التي أرى فيها المهندس إبراهيم شكري الذي كان صوالاً وجوالاً على خريطة الحياة السياسية في مصر قبل أن توهن نفسه وروحه، فعزت على جسده الحركة وشحت الهمّة والحيوية منه، وهو الشخص شديد الوطنية والانتماء والكبرياء والتواضع والعطاء والإنسانية.. كان كله للوطن والناس فأصبح غيابه عصيًا رغم الرحيل.
إبراهيم شكري معنى كبير لا يمكن أن ينال منه الموت أو الرحيل.. كما أنه قيمة لا يمكن للذاكرة الوطنية أن تغفلها إلا ـ لا قدر الله ـ إن كانت قد عطبت أو ماتت.. فهو ليس فقط الذي طالب بإلغاء الرتب والألقاب، ووضع أول مشروع قبل الثورة بتحديد ملكية الأراضي الزراعية بحد أقصى 50 فدانا وهو ابن الباشا الثري. ولم يكتف بذلك بل كان أول من بدأ بتوزيع أرضه على الفلاحين، وليس لأنه أصغر من دخل البرلمان قبل الثورة وأول نائب يحكم عليه بالحبس بتهمة العيب في الذات الملكية عندما كتب في إحدى الصحف مخاطبا الملك فاروق: “إننا نرى أن وجودنا في السجون للدفاع عن حرية الشعب هو أحسن وأفضل من أي نزهة نقضيها على أفخر يخت في العالم”، وليس لأنه أول وزير في عهد الرئيس السادات يتقدم بالاستقالة من منصبه كوزير للزراعة ليؤسس حزبًا معارضًا، وليس لأنه ظل رئيسًا لحزب معارض ونائبًا في البرلمان يدافع عن حقوق الناس والوطن ورافضًا أن يكون مجرد ديكور ديمقراطي أو أن يعطي ظهره لحظة واحدة لمبادئه وقناعته، وليس لأنه كان مدافعًا عن الحريات وشن هجومًا قاسيًا في البرلمان على النواب الذين أيدوا إسقاط الجنسية عن الصحفيين المصريين العاملين بالخارج وأيدوا الهجوم الذي شنه السادات ووزير الداخلية في ذلك الوقت النبوي إسماعيل عليهم واتهام بعضهم بالخيانة بسبب معارضتهم له لزيارته إسرائيل وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، ليس لكل ذلك وغيره الكثير وإن كانت واحدة فيه تكفي وتفيض كي تحتضنه الذاكرة المصرية، ولكن لأنه قبل كل هذا وذاك كان مواطنًا يستمد قمة كبريائه من شديد تواضعه، ويبلغ ذروة قيمته من بساطته المتناهية.. لم يحمل بداخله مثقال ذرة من الكبر أو التعالي على الناس، كان موصولاً بهم ومهمومًا، وكان يتصرف كأن كرامته من محبتهم وأن رضا ربه عنه يكون بقدر إرضاء ضميره بما يقدمه لهم من جهد وعطاء وعناء ومحبة.. كان يؤرقه بؤس الناس في بلاده، وكان يرى القصر والإنجليز والأحزاب التقليدية أدوات تتحالف لتكريس هذا البؤس وهذا الخلل الاجتماعي، وطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية، وطرح مبكرا عشرات الأفكار لتحقيق ما يراه محققًا لهذا الهدف، كما أقام على نفقته العديد من المشروعات لأبناء بلدته الذين انتقل للعيش بينهم.
كما خرج في مظاهرات الطلبة عام 1935 وهاجمت قوات الاحتلال الإنجليزي المظاهرة فلقي اثنان من أصدقائه حتفهما وأصيب هو في قدمه وظلت هذه الحادثة علامة فارقة في حياته، لذلك لم يكن غريبا أن يوصي بأن يدفن بجوار عبد الحكيم الجراحي أحد شهداء مظاهرات الطلبة عام 1946 والذي دعا شكري إلى حملة اكتتاب شعبية لبناء مقبرته تخليدًا لذكراه.
إبراهيم شكري توقف منذ نحو أربعة أعوام عن المشاركة في الحياة العامة، لكنه، وهو صامت خلال هذه السنوات ثم بعد صمته الأبدي برحيله، سيظل هو الذي يحاصر كل من تصوروا أنهم حاصروه وضيّقوا عليه، فمليارات الفاسدين والسماسرة والمحتكرين لا يمكن أن تصنع تاريخًا ناصعًا أو تشكل قيمة يذكرها الناس، كما أن غسيل أموالهم غير المشروعة لن يحقق عدلاً أو يجلب استقرارًا أو يطفئ نارًا تسري وإن كان بعضنا لا يراها.
سيظل غيابه حضورًا يدين هؤلاء حتى يرحلوا ويرحل عصرهم وتبقى الحقائق والمبادئ، التي حفرها وصنعها هو وكل المجاهدين وأبطال الوطنية المصرية مثار فخر واعتزاز لكل الأجيال.
وسيبقى كل ما قدمه نموذجًا شاهدًا على عبث وخيانة بعض أبناء ما اصطلحنا على تسميتهم النخبة الذين ينتمي أغلبهم لأصول اجتماعية متواضعة إلا أن أحلامهم لم تتسع إلا لمصالحهم، كما سدوا آذانهم عن سماع أنين البؤساء من أبناء وطنهم وأصبحوا لا يرون من مستقبل لهذه الأمة إلا بعودة العلم الأخضر والقضاء على ما تبقى من أي ميراث إيجابي لثورة يوليو، ولو كان مجرد بضع كلمات عن العدل الاجتماعي والكرامة والاستقلال الوطني، ووصل الأمر بأحدهم إلى الزعم أن كل رصيدها لم يكن إلا أغاني وهزائم!!
ناضل إبراهيم شكري “ابن الباشا” وأعطى الثورة من أفكاره وحقق بها ومعها كثيرًا من أحلامه، لهذا ستخلده أمته على قدر احتقارها لبعض أبناء هذه النخبة الذين أعدمتهم من ذاكرتها رغم أنهم كالأحياء بيننا يسيرون ويثرثرون ويكتبون كلامهم الغث، لكنهم موتى.”





















