كتبت: سمر أبو الدهب
خلف جدران الأسواق القديمة وورش العمل المتواضعة في مصر، تكمن قصص الحرف المصرية، حيث الكنز الذي لا يُقدر بثمن، إبداعات يدوية تحمل بصمات أجيال، هذا التقرير هو رحلة لاكتشاف روح مصر الحقيقية عبر أنامل صانعيها المهرة.
خان الخليلي حيث يلتقي النحاس بالضوء والزجاج
في قلب القاهرة الفاطمية، يظل سوق خان الخليلي هو القلب النابض للحرف اليدوية، فالمشي في دروبه الضيقة أشبه بزيارة معرض مفتوح، حيث تتنافس الروائح والألوان والأصوات على جذب انتباهك.
هنا تقف ورش صناعة النحاس شاهدة على فن قديم يضرب المُطرِق بمطرقته الصغيرة على ألواح النحاس والفضة، ليحولها إلى تحف فنية تبدأ من الأباريق المزخرفة وصولًا إلى الفوانيس المعقدة، ويجاورهم فن نفخ الزجاج، حيث تتحول كتلة الزجاج المنصهرة إلى أوعية زاهية الألوان ومصابيح دقيقة، وكل قطعة تروي قصة التحدي بين حرارة الفرن ومهارة النفخ، إنها رحلة بصرية تذكرنا بأن الجمال لا يزال يصنع يدويًا قطعة قطعة.
نرشح لك: فحص السيارات المستعملة.. ورقة الأمان التي تحدد مصير صفقتك
شارع الخيامية وفنون القماش والتطريز الأبدي
بالقرب من بوابة زويلة التاريخية يقع شارع الخيامية، وهو حي متخصص بالكامل في فن الخيامية، هذا الفن هو عبارة عن تطريز وزخرفة الأقمشة بخيوط ملونة لإنشاء لوحات جدارية هندسية أو مستوحاة من العمارة الإسلامية والتراث الفرعوني.
الحرفيون هنا الذين يفترشون الأرض بأقمشتهم، لا يكتفون بالبيع والشراء، بل يمارسون فنهم أمام أعين الزوار.
النوبة.. فنون الفخار والسلال الملونة
وفي صعيد مصر، وتحديدًا في القرى النوبية على ضفاف النيل، تأخذ الحرف طابعًا مختلفًا مستمدًا من الطبيعة، حيث تشتهر النوبة بـ صناعة الفخار ونسج السلال الملونة من خامات محلية مثل سعف النخيل.
لا يزال النوبيون يحافظون على تقنيات الأجداد في تشكيل الطين يدويًا دون عجلة، ويستخدمون الألوان المستخلصة من البيئة المحيطة لتزيين منتجاتهم.
هذه الحرف تعبر عن ثقافة النوبة الغنية بالألوان والقصص، إذ أن زيارة هذه القرى توفر للسائح تجربة تفاعلية مباشرة مع الحرفي، حيث يمكن مشاهدة عملية التصنيع كاملة، وهو ما يزيد من قيمة القطعة العاطفية والتراثية.
حماية التراث غير الملموس
الزاوية الأهم في هذه الرحلة هي قصص الحرفيين أنفسهم، هم ليسوا مجرد باعة، بل هم ورثة لمدارس فنية عمرها آلاف السنين، كما يواجه هؤلاء تحديات العصر من تراجع الإقبال وارتفاع تكاليف المواد الخام والمنافسة من المنتجات الصناعية الرخيصة.
إن دعم هذه الحرف اليدوية سواء بالشراء المباشر من الورش أو بالترويج لهذه الفنون، هو استثمار في الذاكرة الثقافية لمصر، فكل قطعة يتم شراؤها هي بمثابة صوت يقول: “هذا التراث لن يموت”.



















