في عالمٍ يزعم أنه تعلّم من مآسيه، يعود شبح إعدام الأسرى ليصفع الضمير الإنساني من جديد، كاشفًا حقيقة مُرّة: أن القسوة حين تُلبس ثوب القانون تصبح أكثر وحشية، وأكثر قدرة على التغلغل في الوجدان ،ما يجري من توجه لإقرار قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد نقاش تشريعي عابر، بل لحظة فاصلة تختبر ما تبقّى من قيم العدالة. هنا لا نتحدث عن نصوص جامدة، بل عن أرواح معلّقة، عن أمهات يعلّقن أعمارهن على خبر، وآباء يقتاتون على الأمل، وأطفال يكبرون على انتظار قد يتحول إلى فراغٍ أبدي.
أي قانونٍ هذا الذي يمنح نفسه حق إنهاء الحياة؟ وأي عدالةٍ تلك التي تختزل الإنسان في قرارٍ قابل للتصويت؟
لقد وُجدت القوانين لتكبح القسوة، لا لتمنحها شرعية، وُجدت العدالة لتحمي الحياة، لا لتُنهيها ،أما حين تتحول النصوص إلى أدوات لإطفاء الأنفاس، فنحن لا نكون أمام دولة قانون، بل أمام شرعنةٍ للوجع، وتكريسٍ لفلسفة الانتقام ،إن من يظن أن الإعدام يحقق الأمن، يتجاهل أن الدم لا يصنع استقرارًا، وأن الألم لا يُطفئ الألم، بل يضاعفه ويورّثه، فكل حكمٍ بالموت لا ينتهي عند الجسد، بل يبدأ من هناك يمتد إلى ذاكرة شعب، ويُزرع في وعي أجيال، ويُعيد إنتاج الصراع في أشكالٍ أكثر قسوة.
تخيلوا بيتًا ينتظر… نافذةً لا تُغلق… قلبًا يترقب كلمة: “ما زال حيًا”. ثم يأتي قانون ليطفئ هذا الانتظار دفعة واحدة، أي قسوةٍ هذه التي لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تقتل الأمل معه؟
إن اللحظة الحقيقية لاختبار الإنسانية ليست حين نملك القوة، بل حين نُحسن استخدامها. حين نختار الرحمة رغم القدرة على القسوة، والعدالة رغم إغراء الانتقام ،فالقوانين التي تُنهي الحياة قد تُكتب على الورق، لكنها تُنقش في القلوب جراحًا لا تندمل.
وفي النهاية… ليست القضية قانونًا يُمرَّر، بل ضميرٌ يُختبر. فحين يصبح الموت خيارًا مشروعًا، لا يسقط الضحايا وحدهم… بل تسقط الفكرة ذاتها التي قامت عليها العدالة.
التاريخ لا يتذكر القوانين بقدر ما يتذكر آثارها، ولا يخلّد النصوص بل يخلّد مَن دافعوا عن إنسانيتهم في أحلك اللحظات. وهنا، تحديدًا، تُكتب الفوارق بين عدالةٍ تحمي الحياة، وعدالةٍ تبرر إنهاءها ،قد يُغلق القانون باب الأمل، لكنّه يفتح أبوابًا لا تُغلق من الألم والذاكرة والغضب. فهل هذا هو العالم الذي نريد تركه للأجيال؟
إن أخطر ما في الأمر ليس تنفيذ الإعدام… بل اعتياد فكرة أن الحياة يمكن أن تكون قرارًا.
وهنا، لا يبقى إلا سؤال واحد يطارد الضمير: هل يمكن لعدالةٍ تُبنى على إنهاء الحياة أن تكون عدالة؟ أم أن الإنسانية تبدأ… حين نرفض أن نصبح نسخةً من الألم الذي ندّعي مقاومته؟





















