إن الكاتب الباحث في سير الزعماء والشخصيات التاريخية، حين يكتب عنهم، لا بد أن يتجرد عن الهوى، وعن كل مؤثر عاطفي، أو سياسي، أو حتى ديني، حين يتناول بقلمه نقدًا أو مدحًا لهذه الشخصية.
من هذا المنطلق، نتحدث اليوم عن الزعيم المصري جمال عبد الناصر كشخصية تاريخية مؤثرة، ليس في تاريخ مصر فحسب، بل في تاريخ العرب والعالم كله، لنتذكر الرجل في يوم وفاته، ونذكر ما كان له وما كان عليه، وفي هذا تكمن الفائدة وتكون العبرة.
فمنذ بزوغ اسم ناصر كقائد لثورة 1952 وحتى اليوم، والحقيقة الواضحة التي لا يستطيع أحد النيل منها أو التشكيك فيها، أن الشعب المصري والعربي وكثيرًا من شعوب العالم الحر أحبوا عبد الناصر.
فلماذا أحب الناس جمال؟
ولماذا لا تزال الناس تحبه حتى الآن رغم ما يؤخذ عليه من أخطاء جسيمة؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن نتحدث أولًا بموضوعية ودون هوى كما قلنا، عن هذه الأخطاء ـ أو على الأقل عن أكثرها أثرًا وتأثيرًا ـ لنبحث معًا عن سبب مقنع لهذا الحب، رغم فداحة تلك الأخطاء!.
كانت بلا شك أكبر أخطاء عبد الناصر وأكثرها إيلامًا هزيمة حرب 1967، تلك الهزيمة التي ترتب عليها احتلال سيناء والجولان والأراضي الفلسطينية، فضلًا عن استشهاد وأسر عشرات الآلاف من جنود مصر.
كما كان لقمع الحريات، والقضاء تمامًا على تجربة مصر الديمقراطية التي وُلدت في ظل دستور 1923، والتي لم تعد لمصر مرة أخرى حتى الآن، على الرغم من الوعد والبيان الشهير الذي أصدره قادة ثورة 52 في مارس 1954 بعودتها، وفاءً بأحد أهم مبادئ هذه الثورة في إقامة حياة ديمقراطية صحيحة بحسب ما أعلنه قادتها من وعود للشعب حينذاك.
كان بالطبع لهذه الأخطاء وغيرها أثر سلبي جسيم في مسيرة مصر وتقدمها، فمع مضي الزمان، وسريان الأمور في البلاد على هذا المنوال، تراجعت قوة الدولة المصرية، وتشوهت قيم وضاعت أخلاقيات وثقافات وأشياء كثيرة قيمة وهامة أخرى، وتدهور الاقتصاد، وتردّت الحقوق والحريات، وأصبحت بلادنا مدينة لا دائنة، تبحث عن استرداد أرضها، واستعادة مجدها ولا زالت.
عودة للإجابة عن السؤال، حتى لا نسترسل في أحداث وتفاصيل قد تستغرقنا وتأخذنا بعيدًا عن موضوع هذا المقال..
لماذا، ورغم عِظم هذه الأخطاء، أحب الناس ولا زالوا يحبون جمال؟
هناك أسباب كثيرة، لكن الإجابة المختصرة البسيطة: إن جمال عبد الناصر أحب الفقراء، فأحبوه.
فالناظر إلى أغلبية الشعب المصري سيجدهم من الفقراء، وإذا ما ارتكنا إلى إحصائية رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عام 2022 ـ وظني أنه لم يصدر بعدها أي إحصاء آخر ـ سنجدها تقول إن حوالي 33% من الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر، أي ثلث عدد السكان تقريبًا، وهذا بعد مرور أكثر من خمسين سنة على رحيل جمال.
كانت أحلام جمال عبد الناصر لبلاده عظيمة، نادى بالتحرر والقومية العربية، وأقام مشروعات هامة كثيرة، لكن كان أهم ما يميزه أنه يكاد أن يكون هو الرئيس المصري الوحيد الذي انتصر للفقراء ـ عمال وفلاحين ـ فأنشأ لهم الشركات والمصانع، وأعطاهم الأرض، وضرب مثلًا على نفسه، فلم يسعَ إلى مال، ولم يُعثَر له على أرصدة مالية بعد وفاته لا في بنوك مصر ولا في بنوك سويسرا.
ولو وُجد جمال عبد الناصر على الأقل هامش بسيط من الديمقراطية يُسمع من خلاله صوت المعارضين والمخلصين، أو وُجد في بطانته صوت رشيد، لما وقع فيما وقع فيه من أخطاء، ولتحولت مصر في عهده إلى إمبراطورية عظمى، وأقوى مما كانت عليه قبل أن يتولى حكمها، ولصار هو أعظم زعيم مصري على الإطلاق.
إن خلاصة تجربة حكم عبد الناصر، أن الشعوب على استعداد أن تغفر لزعيمها كل خطأ مهما كانت جسامته، إذا ما شعرت أنه ينتصر لها، ويحمي ضعيفها، ويحنو على فقيرها، ولهذا أحب الناس جمال عبد الناصر ولا زالوا يحبونه حتى الآن.





















