في ظل تحولات اقتصادية حادة، وقلق متصاعد بشأن التوازنات التجارية العالمية، شهدت أسعار النحاس في الصين قفزة جديدة في تعاملات أمس الإثنين، وسط موجة من التوقعات والتحليلات التي تربط المشهد بتراجع الدولار الأمريكي، واحتمال تدخلات تحفيزية من جانب الحكومة الصينية.
النحاس يسجل أعلى مستوى منذ أسبوعين
أنهى عقد النحاس الأكثر نشاطًا في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة تعاملات الإثنين على ارتفاع بنسبة 1.7%، ليصل إلى 77290 يوانًا للطن، أي ما يعادل نحو 10599.87 دولار، هذا المستوى هو الأعلى منذ الثالث من أبريل، بعدما لامس خلال التداولات سقف 77360 يوانًا، ما يعكس تحركًا قويًا في السوق الصينية، رغم العوامل العالمية المتشابكة التي تؤثر على أسعار المعادن.

لماذا هذا الارتفاع الآن؟
دفعت العديد من العوامل بأسعار النحاس إلى هذا المستوى، أولها وأكثرها تأثيرًا هو التراجع الحاد في قيمة الدولار الأمريكي، فقد تراجع مؤشر الدولار بنسبة 1.2%، ليهبط إلى 98 نقطة، ما جعل السلع المُسعّرة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين خارج الولايات المتحدة.
هذا الانخفاض في قيمة الدولار لم يأتي من فراغ، بل جاء بعد تلميحات مثيرة للجدل من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن احتمال إقالة رئيس الاحتياطي الفيدرالي “جيروم باول”، وهو تصريح أثار الشكوك مجددًا حول استقلالية البنك المركزي الأمريكي، ما أدى بدوره إلى تذبذب في الأسواق العالمية.
نرشح لك: كيف أبيع الذهب المستعمل؟.. خطوات حساب السعر وتحديد أفضل توقيت للبيع
الصين المستهلك الأكبر للنحاس تتحرك بثقة
إلى جانب الدولار، يأتي عامل محوري آخر ساهم في رفع الأسعار، وهو التوقعات الاقتصادية داخل الصين، فالمحللون يتوقعون أن تطلق الحكومة الصينية حزم تحفيز اقتصادي جديدة في محاولة للحد من الآثار السلبية للحرب التجارية، خاصة مع الولايات المتحدة، هذه الخطوة المحتملة ستزيد من الطلب المحلي على المواد الخام، وفي مقدمتها النحاس، ما يضيف ضغطًا صعوديًا على الأسعار.
الصين، كونها أكبر مستهلك عالمي للنحاس، تعد سوقًا مرجعية في تحديد اتجاهات أسعار هذا المعدن عالميًا. وبالتالي، فإن أي تحرك اقتصادي من جانبها، سواء بالتوسع في البنية التحتية أو في مجالات الطاقة النظيفة، ينعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية.
واللافت أن هذا الارتفاع في الأسعار جاء في وقت أغلقت فيه بورصة لندن للمعادن أبوابها اليوم بسبب عطلة “عيد الفصح”، ما دفع المستثمرين إلى تحويل تركيزهم بالكامل نحو الأسواق الآسيوية والأمريكية، وقد استغلت بورصة شنغهاي هذا الفراغ لتقود المشهد بتعاملات نشطة، بينما حافظت السوق الأمريكية على وتيرة ارتفاع معتدلة.
ففي الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة للنحاس تسليم يوليو بنسبة 0.9%، لتسجل 4.83 دولار للرطل، ما يعكس استمرار الزخم الإيجابي حتى في ظل التوترات التجارية الراهنة.
الحرب التجارية تعيد رسم خريطة المعادن
وجدير بالذكر أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ليست مجرد معركة على الرسوم الجمركية، بل باتت تؤثر على العمق في الأسواق المالية وسوق المعادن العالمية، ومع تزايد التوقعات بفرض رسوم جديدة على واردات النحاس (على غرار ما حدث سابقًا مع الصلب والألومنيوم) بات التجار والمستثمرون أكثر حذرًا في تقدير تأثير هذه السياسات على العرض والطلب.
وبينما يسود القلق من تباطؤ اقتصادي عالمي، تبدو بعض الحكومات، وفي مقدمتها الصين، مستعدة للرد بحزم تحفيزية من شأنها الحفاظ على مستويات الإنتاج والبنية التحتية، ما يعزز الطلب على النحاس، خاصة في الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، والاتصالات.

نرشح لك: طريقة حساب سعر الذهب اليوم.. قيمة المصنعية لا تتعدى الـ 10%
هل تستمر المكاسب؟
رغم هذا الأداء الإيجابي، تبقى هناك تحديات أمام استمرار صعود أسعار النحاس، من أبرزها حالة التذبذب في مؤشرات الدولار، والضغوط الجيوسياسية، وتوقعات المستثمرين بشأن قرارات الفيدرالي الأمريكي في الاجتماعات القادمة، والتي يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر على توجهات السوق.
لكن في المقابل، يرى كثير من المحللين أن استمرار الصين في خططها الاقتصادية، إلى جانب الضعف المستمر للدولار، قد يجعل من النحاس أحد أبرز المستفيدين في الفترة المقبلة.
النحاس أكثر من مجرد معدن
ويمثل النحاس أكثر من مجرد مادة خام تستخدم في الكابلات أو أنابيب المياه. فمع التوسع في استخداماته داخل تقنيات الطاقة الخضراء، وارتفاع الطلب عليه في مشروعات البنية التحتية والتقنيات الحديثة، أصبح هذا المعدن مؤشرًا حيويًا على صحة الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا: شعبة الذهب: قفزة في الأسعار بـ31% منذ بداية 2025




















