الجمعية العمومية لأي حزب سياسي هي بمثابة السلطة العليا والقلب النابض الذي يضمن بقاء الكيان حياً ويعبر عن إرادة أفراده، فهي المعمل الحقيقي الذي تتدرب فيه الأجيال المتعاقبة على معنى المشاركة السياسية والتنشئة الديمقراطية، والمنصة الشفافة التي تُخضع مالية الحزب للرقابة عبر مناقشة الميزانية واعتماد الحسابات الختامية لضمان نزاهة التمويل والإنفاق، والمكان الشرعي الوحيد الذي تترسخ فيه قيم تداول السلطة الداخلي لتقدم الأحزاب بذلك نموذجاً مصغراً وصادقاً للدولة التي نطمح لبنائها.
لكن المفارقة الصادمة تبدأ عندما ترفع أحزاب كثيرة، بعضها محسوبة على المعارضة، لافتات التنديد بما تسميه “هندسة الانتخابات البرلمانية” وتنتقد غياب التنافسية في الفضاء العام، بينما تمارس هي نفسها خلف الأبواب المغلقة “هندسة الانتخابات الداخلية للأحزاب” لتكون أشد قسوة وأكثر التواءً. في هذه اللحظة، يتلقى هدف الجمعيات العمومية طعنة نافذة عبر الالتفاف على القواعد، ليس لشيء إلا لترسيخ ديكتاتور الحزب، أو لتوريث المناصب، أو للحفاظ على دائرة “أهل الثقة” على حساب أهل الكفاءة، مما يؤدي في النهاية للإطاحة بالكوادر الحقيقية من الأجيال المختلفة، لتتحول الأحزاب من كيانات سياسية عامة إلى مجرد “عِزب” أو شركات خاصة تدار بالحسابات الشخصية والمصالح الضيقة.
وبينما لا تتوقف هذه الأحزاب عن اتهام المشهد العام بـ “التجريف السياسي” الذي حدث خلال السنوات الماضية، فإن الحقيقة المرة تكشف أن الأحزاب نفسها تشهد تجريفاً داخلياً وتنكيلاً ممنهجاً بكل صوت يحاول التغيير أو يحمل فكراً مغايراً. وعلى الرغم من أن الأحزاب هي الباب الأساسي والرئيسي تاريخياً لممارسة العمل السياسي، إلا أن الجمود الداخلي أفقدها مصداقيتها تماماً في الشارع وجعلها معزولة عن الجماهير، في ظل إصرار عجيب من بعض القيادات على أن تظل هذه الكيانات بيئة طاردة للجميع، عاجزة عن جذب الشباب الذين يمتلكون رغبة حقيقية في ممارسة العمل العام، وفاشلة تماماً في بناء كوادر حقيقية تكون قادرة على المنافسة في الاستحقاقات الكبرى أو امتلاك القدرة على طرح البدائل والسياسات البديلة التي تهم المواطن.
إن هذه الممارسات لا تقتل فقط أمل الحاضر، بل ترسل رسالة سلبية في غاية الخطورة للأجيال القادمة مفادها أن الهندسة والتلاعب اللائحي هما الأصل والأمر الطبيعي في العمل السياسي، وهو ما يطرح السؤال الوجودي والأهم: من أين سيأتي التغيير السلمي إذا كانت قنواته الشرعية تمارس الاستبداد في بيوتها؟ فمن المستحيل أن نحظى بحياة سياسية سليمة أو بيئة ديمقراطية حقيقية في أي مجتمع دون أن نبدأ أولاً من إصلاح الأحزاب وتطهيرها من داخلها.
والنتيجة الحتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تتطلب التوقف عن إعادة تدوير الأزمات، والانتقال لخطوات إجرائية صارمة تقطع الطريق على “الحناكيش”؛ تبدأ بتطبيق قواعد “الحوكمة الحزبية” بمفهومها الشامل والملزم، والتي تفرض رقابة قانونية ومستقلة على الانتخابات الحزبية، وبناء قواعد بيانات حقيقية وشفافة للعضويات تُسجل على منظومة رقمية (سيستم مركزي) محمية من التلاعب، مع اشتراط ألا يمنح حق التصويت أو الترشح إلا لعضوية فاعلة مر على تسجيلها ستة أشهر أو عام كامل على الأقل، لتجفيف منابع العضويات المفاجئة والمجهزة سلفاً.
إن المحاولة البائسة لبعض الأحزاب في الاستتار خلف فاعلية أو مناسبة اجتماعية أو فنية أو أمسية رمضانية أو دعوة النخبة السياسية لتمرير جمعياتها العمومية، واختطاف المشهد من منطلق “انظر العصفورة” لإظهار حشد زائف وغير حقيقي يغطي على محدودية الأعضاء الفعلية، هي حيلة مكشوفة تخطئ الهدف تماماً؛ فهي لا تخدع أحداً بل تفصل الأحزاب عن واقعها ، وتكشف إفلاسها الحقيقي ومصداقيتها المنعدمة أمام الشارع الذي يراقب بذكاء ليكتشف حجم “الفنكوش” التنظيمي الذي تعيشة هذه الأحزاب ، فالأحزاب التى لا تمتلك الشجاعة لتطبيق النزاهة الإجرائية داخل مقراتها، لا تملك الحق الأخلاقي في مطالبتها من الآخرين، ففاقد الشيء لا يعطيه، وصندوق الانتخاب الذي يُهندَس ويُهان داخل جدران هذه الأحزاب، لن يصنع وطناً ولن يحوز ثقة الشارع أبدأً فالنتائج المسبقة لا تُنتج أحزابًا حقيقية .


















