انتهت الانتخابات البرلمانية، وظهر الواقع السياسي كما هو أحزاب ضعيفة، صراعات داخلية مفتوحة، وهيمنة فردية أو عائلية على القرار، مع قلة البرامج الحقيقية التي تعكس احتياجات المواطنين، وسط هذا المشهد يبدو أن الأحزاب لم تتغير منذ سنوات، بل إن بعضها تراجع ليصبح مجرد شعارات وديكور يزين المقرات، بينما الواقع يقول إن الشباب والكوادر الجديدة يهربون من المشاركة بسبب بيئة حزبية مغلقة، طاردة، وغير محفزة لأي مبادرة جديدة.
وحين نصف هذا الواقع بأنه “أحزاب بلا سياسة” فنحن لا نطلق توصيفًا إنشائيًا، بل نعبر عن غياب الفعل السياسي بمعناه الحقيقي، فالسياسة ليست بيانات إعلامية ولا تحركات موسمية، بل رؤية، وبرامج، وقدرة على الاشتباك مع قضايا المجتمع وبناء كوادر قادرة على الفعل والمساءلة. ما نشهده اليوم هو أحزاب موجودة شكليًا، لكنها غائبة سياسيًا، عاجزة عن إنتاج سياسات عامة أو تقديم بدائل حقيقية، فتتحول من أدوات للتغيير إلى كيانات مغلقة تدير البقاء لا المستقبل.
الأحزاب الحقيقية يجب أن تكون أكثر من مجرد اسم على لافتة أو مقر حزبي، بل يفترض أن تكون المدرسة الأولى للسياسة، ومنصة لتدريب الكوادر، وبيئة آمنة لتعليم الشباب ممارسة الديمقراطية عبر القنوات الشرعية. لكن الواقع عكس ذلك تمامًا؛ فالأغلبية غارقة في صراعات داخلية، وتوزيع المناصب، والحفاظ على السلطة الفردية أو العائلية، بينما يجد ا السواد الأعظم من الأعضاء أنفسهم بلا مساحة حقيقية للتعبير أو المشاركة.
غياب البرامج الجادة يُعد من أكبر مآسي الحياة الحزبية في مصر، فقد تحولت البرامج من أدوات لتغيير الواقع إلى مجرد ديكور لتبرير الوجود، ووسيلة لرفع شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع. لم تعد الأحزاب تقدّم حلولًا أو سياسات قابلة للتطبيق، بل تكتفي بالاستعراض الإعلامي والدعم الشخصي، ما أفقدها دورها الطبيعي كوسيط بين المواطن وصانع القرار.
ويمثل التمويل والسيطرة على الموارد الداخلية تحديًا مركزيًا آخر؛ فمن يملك المال يملك القرار، ومن لا يملكه يظل خارج دائرة القرار، هذا الخلل البنيوي يحرم الكوادر الجادة من فرص الصعود، ويجعل الأحزاب بيئة غير جاذبة، بل طاردة لكل من يمتلك طموحًا حقيقيًا للتغيير.
ولكي تستعيد الأحزاب دورها الحقيقي، لا بد أن تتحول إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية، تبدأ بالشفافية في اتخاذ القرار، وتمكين الكوادر وتداول حقيقي للسلطة الداخلية، وبناء برامج عملية، وتشجيع مشاركة الشباب والنساء، كما يجب على الأحزاب أن تصبح بيئة محفزة قادرة على احتضان المبادرات الجديدة بدلًا من إخمادها، وتوفير التدريب والدعم اللازم لتكوين قيادات قادرة على المنافسة السياسية بشكل فعّال ومستدام.
من دون هذه الإصلاحات الداخلية، ستظل الأحزاب مجرد مسميات فارغة، وسيظل أي استحقاق انتخابي قادم نسخة مكررة من المشهد نفسه، صراعات شخصية، برامج وهمية، سيطرة المال السياسي، وغياب البديل الحقيقي. وسيبقى المواطن مراقبًا بلا خيار، بينما تنشغل الأحزاب بحماية مصالح قياداتها بدلًا من خدمة الوطن والمواطن.
الأحزاب ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة لبناء مجتمع ديمقراطي قادر على التغيير الفعلي. وإن لم نُعِد للأحزاب معناها السياسي ودورها الحقيقي، فلن يكون هناك تغيير جاد، وستظل الثقة بين المواطنين والعمل الحزبي مفقودة، وسيبقى المشهد السياسي بلا سياسة.. وبلا أفق.





















