قال المحامي نجاد البرعي إن الحكومات التي عاصرها لم تكن بالقطع ديمقراطية بالمعنى الذي نحب ونرجو، لكن ربما تكون الحكومة الحالية هي الأولى التي تقصي المعتدلين لصالح المتطرفين على الجانبين.
وأوضح البرعي، في منشور له تحت عنوان «فضفضة»، أن المعتدل هو الذي يطالب بإصلاحات للمساعدة على استقرار نظام الحكم وديمومته، ولديه رؤية ناقدة وأفكار قد لا تروق لأهل الحكم، لكنها صالحة للاشتباك معها والأخذ ببعضها وترك البعض الآخر.
وأضاف أن التطرف ليس العداوة الشديدة فقط، ولكنه أيضًا التأييد الذي يصل إلى حد النفاق، حيث لا يرى المتطرف في العداوة إلا مثالب سياسات الحكم كلها، ولا يرى المتطرف في التأييد إلا أن سياسات الحكم لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
وأشار إلى أن الحكومة لا تقصي المعتدلين بالتوقف عن الاستماع إليهم، وإنما تواصل الضغط عليهم وإحراجهم حتى يفقدوا أي تأثير لهم في المجتمع ثم تلقي بهم، وتذهب للبحث عن معتدلين جدد ثم تقصيهم وتحرجهم، وهكذا حتى لا يبقى في الملعب إلا المتطرفون على الجانبين.
وقال البرعي: «مثلا عندما تدعوا الدولة إلى حوار – أيا كان هدفه – ينقسم الناس إلى فريقان، فريق يرى أنه لا جدوى من أي حوار أو نقاش وأن ذلك كله مصيره سلال المهملات وأن علينا البحث عن حلول أخرى غير الحوار مع أصحاب القرار؛ وفريق يحاجج بأن هذه الدعوة فرصة وأن علينا أن نقول رأينا فعلى الأقل سوف يستمعون بانتباه وينفذوا بعضه وإن أعرضوا عن بعضه».
وأضاف أن الأمر ينتهي بانتصار الفريق الأول، فمن ذهبوا إلى الحوار، أي حوار، عادوا بخفي حنين، وثبت للجميع أن الحوار لن يؤدي إلى نتيجة، لافتًا إلى أن «المتطرفون على الجانبين» يصفقون، فجانب يرى أنه كان على حق وأن الذين ذهبوا إلى الحوار مغرر بهم أو هم من المشتاقين، وجانب سيرى أن الحكومة فعلت ما تستطيع ولكن المتطرفين من المعارضة لم يمكنوها.
تراجع المساحات التشاركية في مجالات حقوق الإنسان والعمل الحزبي
وتطرق البرعي إلى ميدان حقوق الإنسان، قائلاً إن بعض المنظمات غير الحكومية الحقوقية حاولت أكثر من مرة التعاون مع الحكومة وفتح حوار معها، موضحًا أن بعضها عمل مع وزارات الدولة في مشروعات قوانين مثل التأمين الصحي، وبعضها عمل في المدارس وقدم خدمات على الأرض، وبعضها حاول أن يسجل كجمعية أهلية تحت مظلة القانون متخليًا عن شكله القانوني القديم، كما شارك جلها بإيجابية في الحوار الوطني.
وأوضح أن هناك فريقًا كان يرى أن هؤلاء «مخدوعون ومغرر بهم»، وأن الموقف الحكيم هو الوقوف على طرف نقيض مع الحكومة وكشفها ودفعها حتى إلى القبض على الحقوقيين كلهم حتى يظهر للجميع عوراتها.
وتابع: «في النهاية انهزم المعتدلون داخل حركة حقوق الإنسان، من سجلوا كجمعيات أهلية حوصروا بمنع التمويل وتعطيل الحسابات البنكية وإرهاقهم بالمتابعات البيروقراطية حتى أصبحوا أمثولة وسيغلقون أبوابهم عن قريب وبعضهم أغلقها فعلا».
وأشار إلى أنه لم يبق في الساحة إلا المتطرفون، من يرى أن التفاهم مع الحكومة غير مجدٍ وعلينا أن نظل نقذفها بالطوب حتى يعرف الجميع الحقيقة، بينما جمعيات حقوقية أخرى ترى أن «مصر تعيش أزهى عصور الحرية وأن المجتمع الأهلي والمدني نشط وفعال وكله تمام».
وعن الأحزاب، قال البرعي إن الحزب المصري الديمقراطي وغيره من أحزاب «الحيز المتاح» وصل بهم الأمر إلى أن يعلن أحد أهم أعضائه في مجلس الشيوخ أنهم «لا قيمة لهم ولا يستطيعون عمل أي شيء»، مضيفًا أن آخرين يعترفون بالأمر ذاته إن لم يكن جهرًا ففي الجلسات المغلقة.
وأوضح أن من كانوا يرون أن تعاون الأحزاب مع الحكومة وقبولها الدخول في قائمة واحدة مع أحزاب الموالاة هو فشل وجبن وتراجع، وأنه يجب مقاطعة أي شيء للحكومة، أعلنوا أن وجهة نظرهم هي الصحيحة، وأن من خالفهم لم يحظ بأي فرصة حقيقية «إلا بدخول البرلمان وقبض مكافأة العضوية فيه».
وأضاف أن من يرون أن مصر تعيش في ديمقراطية لا نظير لها ينددون دائمًا بمواقف المتشددين، ويؤكدون أن مثل تلك الآراء يجب حتى أن تخرس «فتكف عن النباح حتى تستطيع القافلة أن تسير بسلام».
وأكد البرعي: «أستطيع أن أكتب إلى ما لا نهاية، ولكن ما أقوله هنا أن إقصاء المعتدلين من المشهد قد ساعد في زيادة التطرف، ليس السياسي وفقط ولكن داخل المجتمع»، مشيرًا إلى أن أي متابع لوسائل التواصل الاجتماعي يستطيع اكتشاف ذلك بسهولة.
ولفت إلى أن «الحوار أصبح مفقودا وإن حضر فهو حوار عصبي وعنيف»، مضيفًا أن الجرائم تتزايد معدلاتها «بلا تفسير حقيقي إلا بضيق الصدور أو بضيق الأحوال».
وأكد البرعي أن أول من سيعاني من غياب المعتدلين عن المشهد هو من أقصاهم وأذلهم وخوفهم حتى لزموا بيوتهم صامتين، قائلاً: «لأنه في وقت ما لا أعرفه لن يستطيع المتطرفين على الجانبين أن يحافظوا على توازن الرعب بينهما».
وأضاف أن «المحبين والمؤيدين سيكتسحون بقوة الدولة الآراء المتشددة»، ومع غياب الاعتدال وهزيمة الآراء المتطرفة في المعارضة سيتحول المتطرفون المؤيدون إلى بعضهم البعض ويقتتلون أيهم أشد تأييدًا ونفاقًا.
واختتم البرعي حديثه قائلاً: «في النهاية سينتصر فريق ولكنه سيكتشف أنه نصر أقرب إلى الهزيمة؛ سنكتشف جميعا أننا هزمنا ولكن لا أعرف بالضبط كيف يمكن وقتها لمن سيكون من المعتدلين حيا أن يضبط الأمور ولا كيف سيتصرف».





















