في ميدان التحرير بالقاهرة، في ذلك اليوم المصيري من يناير، تجسدت لحظة تاريخية لم يكن بوسع أحد أن يتخيل مسارها اللاحق، لم يكن المشهد مجرد رجل يترك عمله لينزل الشارع، بل كان انصهارًا واسعًا للفوارق بين المهن والطبقات، حيث خرج مئات الآلاف استجابة لدعوات نُشرت في الفضاء الافتراضي، وتحولت إلى واقع ملموس في ميادين مصر من القاهرة إلى الإسكندرية والسويس، ففي 25 يناير 2011، الذي وافق عيد الشرطة، تحولت احتجاجات متناثرة بدأت كرد فعل على مقتل الشاب خالد سعيد وغيره من ضحايا التعذيب وسوء معاملة الشرطة، إلى حركة جماهيرية عارمة هتفت بشعار موحد: “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”.
لعبت صفحات مثل “كلنا خالد سعيد” على فيسبوك دورًا محوريًا في حشد المشاعر وتحديد نقاط التجمع، مستغلة حالة السخط المتراكم من قانون الطوارئ المستمر منذ 1967، والذي علق الحريات ووسع سلطات الشرطة، وفي يوم 28 يناير، “جمعة الغضب”، وصلت الاحتجاجات ذروتها العنيفة حيث شهدت اشتباكات دامية، وقطعًا كاملًا للإنترنت والاتصالات من قبل النظام في محاولة يائسة لخنق الحشد، مما أدى إلى فراغ أمني وانتشار اللجان الشعبية.
واستمرت الاعتصامات 18 يومًا، ارتقى خلالها أكثر من 800 مدني، وواجه النظام بأزمات متتالية انتهت بإعلان نائب الرئيس تنحي حسني مبارك في 11 فبراير 2011، ولقد أسقطت الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة رأس النظام، وحققت انتصارًا رمزيًا هائلاً جعل المتظاهرين يعيشون، كما وصف أحد الأدباء، “18 يوماً كأنها المدينة الفاضلة”، ولكن هذا المشهد الثوري، بقدر ما كان جليلاً، كان مجرد الفصل الأول من قصة أطول وأكثر تعقيدًا، حيث ستثبت السنوات اللاحقة أن إزالة رئيس لم تكن تعني بالضرورة إسقاط النظام بأكمله، وأن الطريق من “جمعة الغضب” نحو تحقيق الشعارات التي رفعت سيكون محفوفًا بتحديات لم يتخيلها أولئك الذين ملأوا ميدان التحرير بأحلامهم.
1. التراكم الثوري
إن تصوير ثورة 25 يناير على أنها “انفجار مفاجئ” هو اختزال يخفي حقيقة كونها ذروة لمسار طويل من السخط المتراكم والتحدي المنظم ضد النظام، فلقد تجمعت ثلاثة روافد رئيسية على مدار سنوات لتشكل النهر الجارف الذي غيّر وجه مصر في يناير 2011: الإطار القانوني القمعي، والأزمة الاقتصادية الاجتماعية المتفاقمة، ثم نشوء حركات احتجاجية ومدنية استطاعت، لأول مرة، تحويل السخط الفردي إلى عمل جماعي منظم.
ففي الإطار القمعي؛ حيث دولة الطوارئ وسيادة القانون المنقوص، كان قانون الطوارئ، المُفعّل بشكل شبه متواصل منذ عام 1967، هو الهيكل القانوني الذي استند إليه نظام مبارك لترسيخ سلطته، ولم يكن هذا القانون مجرد إجراء أمني مؤقت، بل تحول إلى أداة دستورية دائمة علقت الحريات الأساسية ووسعت صلاحيات الشرطة بشكل هائل، وتحت مظلته، توسعت سلطة الدولة في الاعتقال التعسفي، وفرض الرقابة، وقمع أي نشاط سياسي غير حكومي، ما أدى إلى احتجاز عشرات الآلاف على خلفيات سياسية على مدار العقود، وخلقت هذه البيئة دولة بوليسية حيث أصبح التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان ممارسات منهجية، كما وثقت ذلك برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة عام 2009، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي حادثة مقتل خالد سعيد في يونيو 2010 على أيدي أفراد الشرطة، والتي مثلت رمزًا صارخًا لوحشية الجهاز الأمني المتحصِّن بقانون الطوارئ، وأشعلت غضبًا شعبيًا واسعًا عبر عنها في مظاهرات حاشدة في الإسكندرية والقاهرة.
أما الجرح الأعمق من ذلك هو الجرح الاجتماعي والاقتصادي؛ حيث فسادٌ وهشاشةٌ لا تحتمل، فتحت سطح الاستقرار الظاهري، كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم لتخلق بيئة خصبة للثورة، فعلى الرغم من بعض التحسن الطفيف في معدلات الفقر قبل 2011، إلا أن الاقتصاد كان يعاني من ركود هيكلي وتنامي فجوة اللامساواة التي طالت فرص التعليم والخدمات الصحية والتنمية الإقليمية، وكان النظام ينتج جيلًا من الخريجين العاطلين، في ظل وعود حكومية قديمة بضمان وظيفة حكومية لكل خريج، لم تعد الدولة قادرة على الوفاء بها، مما خلق كتلة شبابية متعلمة ومحبطة.
والفساد المستشري كان العامل الجامع لكل هذه المظالم، فتحكمت حلقات نخبوية ضيقة مرتبطة بالحزب الوطني الحاكم في مفاصل الاقتصاد، مما أفقد المواطن العادي الثقة في أي إمكانية للإصلاح من الداخل، وجاءت انتخابات مجلس الشعب في نهاية 2010، والتي شهدت تزويرًا صارخًا واستحواذ الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة من المقاعد، لتؤكد إغلاق آخر منافذ التغيير السلمي، وتُظهر استخفاف النظام بإرادة الشعب حتى على مستوى الشكل.
ومن هنا بدأت براكين الاحتجاج؛ من التذمر الفردي إلى الحركة الجماعية المنظمة، فبدأت الانتقادات العلنية للنظام تظهر بقوة في الاحتجاجات المناهضة للحرب على العراق عام 2003، حيث هتف المتظاهرون ضد سياسات مبارك الخارجية وشككوا في شرعيته، لكن التحول النوعي حدث مع ظهور حركة “كفاية” (الحركة المصرية من أجل التغيير) عام 2004، وهي تحالف غير مسبوق ضم ليبراليين ويساريين وناصريين وإسلاميين، ونجحت “كفاية” في كسر حاجز الخوف عبر تنظيم وقفات واحتجاجات علنية تطالب بعدم توريث الحكم وبرحيل مبارك، محولة الخطاب السياسي من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بتغيير النظام ذاته.
وبالتوازي، اشتعلت سلسلة من الإضرابات والاحتجاجات العمالية الواسعة بدءًا من عام 2006، وبلغت ذروتها بمئات الاحتجاجات السنوية، كان أبرزها اعتصام عمال المحلة الكبرى عام 2008، وإضراب جباة الضرائب العقارية الذي استمر 11 يومًا عام 2007 وأسفر عن تشكيل أول نقابة مستقلة عن الاتحاد النقابي الحكومي منذ عقود، وأثبتت هذه الحركة أن الطبقة العاملة، عماد شرعية النظام سابقًا، قد انتقلت إلى المعارضة.
وكانت الشبكة الافتراضية هي الحلقة المفقودة التي وحدت هذه التيارات، صفحات مثل “كلنا خالد سعيد” على فيسبوك، التي أسسها الناشط وائل غنيم، استخدمت مهارات التسويق الرقمي لنقل قضايا مثل التعذيب والفساد من دوائر النشطاء إلى جمهور الملايين، وحوّلت هذه الصفحات الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتعبئة والتخطيط، وجسّرت الهوة بين النخب السياسية التقليدية والغالبية الصامتة من الشباب الذين وجدوا صوتهم أخيرًا.
وعندما التقت المحفزات الإقليمية بالاستعداد المحلي، كانت الشرارة والحريق، فلم تكن الثورة التونسية في ديسمبر 2010 هي سبب الثورة المصرية، بل كانت المحفز والمثال العملي، فلقد أثبتت أن النظام الديكتاتوري الذي بدا أبديًا يمكن إسقاطه بإرادة شعبية سلمية في أسابيع، وكانت الرسالة واضحة: “إذا استطاع التونسيون، فيمكننا”، أضف إلى ذلك الأحداث المحلية المباشرة، مثل حادثة تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية مطلع 2011، التي كشفت عن عجز الدولة عن حماية مواطنيها، وعززت الشعور بالغضب والعزلة.
وفي الذكرى السنوية لمعركة الشرطة مع الاحتلال البريطاني (25 يناير)، والذي كان عطلة رسمية، وجدت الدعوات التي نُشرت عبر الإنترنت ليوم الغضب صدى غير مسبوق، واختير التاريخ بعناية ليُظهر تناقضًا صارخًا بين شرطة تحتفل ببطولتها التاريخية وشرطة واقعية تمارس التعذيب في أقبيتها، ولقد خرج المصريون في ذلك اليوم ليس فقط احتجاجًا على وحشية الشرطة أو الفقر أو الفساد، بل خرجوا دفاعًا عن كرامتهم الإنسانية التي أنهكها نظام حكم استبدادي استمر لثلاثة عقود، ووجدوا في ساحات التحرير أنهم لسنوا وحدهم.
كانت الثورة، إذن، نتيجة حتمية لالتقاء العوامل الهيكلية الطويلة الأمد مع الفرصة السياسية التاريخية التي صنعها الشعب نفسه.
2. صراع القوى المعقد
وعندما انكشفت الغيوم عن سماء مصر بعد رحيل مبارك، برز إلى الواقع تحالفٌ ثوري بدا للعالم وكأنه كتلة صخرية متجانسة، لكنه كان في حقيقته أشبه بفسيفساء معقدة من القوى التي جمعتها اللحظة التاريخية أكثر مما جمعها برنامج سياسي موحد، وكان قلب هذا المشهد ينبض في ميدان التحرير، حيث جلس الشباب الليبرالي والعلماني المتأثر بخطاب حقوق الإنسان والديمقراطية العالمية، جنباً إلى جنب مع العمال الذين قدموا من مدن الصعيد والمناطق الصناعية حاملين مطالب ملموسة تتعلق بسعر العيش وكرامة العمل، وكذلك الإسلاميون الذين رأوا في الساحة العامة فرصة تاريخية لممارسة دور طالما حُرموا منه، كان “تحالف الضباب” هذا قوياً بما يكفي لهزيمة عدو مشترك، لكنه كان هشاً للغاية لبناء دولة جديدة.
وكان الجيش المصري، بوصفه المؤسسة الأقوى في الدولة، يراقب هذا المشهد من خلف الكواليس بحسابات باردة، فالقرار التاريخي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بعدم دفع قواته لقمع المتظاهرين في يناير ويناير 2011 لم يكن انحيازاً لأحلام الثوار، بل كان مقامرة محسوبة لإنقاذ مؤسسة الجيش ذاتها، فلقد فهم القادة العسكريون أن شرعية النظام القديم قد انتهت، وأن استمرار الدعم لمبارك، خاصة بعد أن بدأ في التلميح لتمهيد الطريق لتوريث الحكم لابنه جمال الذي كانت علاقته متوترة مع المؤسسة العسكرية، قد يعرض مصالحهم الاقتصادية الهائلة ونفوذهم للخطر، فلقد اختار الجيش، بحكمة البراغماتي، أن يترك النظام السياسي يسقط ليحافظ على دولته العميقة.
وبينما كان الثوار يحتفلون بانتصارهم، كان الجيش يتحرك بسرعة لملء فراغ السلطة، مكوناً المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة المرحلة الانتقالية، وفي الشوارع ولدت فوضى خلاقة مع انسحاب الشرطة من المشهد، مما أدى إلى ظهور “اللجان الشعبية” لحماية الأحياء، وهي الظاهرة التي عبرت عن قدرة المجتمع على التنظيم الذاتي لكنها كشفت أيضاً عن حجم الفراغ الأمني، وفي غضون ذلك، بدأت التحالفات الهشة في التصدع: فبينما كان الشباب الليبرالي يطالبون بتحول ديمقراطي سريع ووضع دستور جديد يضمن الحريات أولاً، رأى الإخوان المسلمون، الأفضل تنظيماً والأكثر صبراً، أن اللعبة الديمقراطية هي الطريق الأمثل لتحقيق حلمهم الطويل في الوصول إلى السلطة، فانشغلوا بالتحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية، وفي الوقت نفسه، بدأت الطبقة العاملة، القوة الضاربة في الأيام الأولى للثورة، تشعر بأن مطالبها الاقتصادية تُؤجل لصالح المعارك السياسية في القاهرة.
وهكذا، وبينما كان صدى هتاف “إسقاط النظام” لايزال يدوي، كان النظام القديم يعيد ترتيب أوراقه تحت مظلة جديدة، وكان “تحالف الثورة” يشرع في رحلته الصعبة والقصيرة نحو التفكك الحتمي، مما مهّد الطريق لصراع جديد ستحدد نتائجه مصير التجربة الديمقراطية الوليدة، فلقد كانت لحظة الانتصار العظيمة تحتوي في أحشائها على بذور المرحلة التالية الأكثر تعقيداً وإشكالية.
3. فراغ السلطة والنكسة الثورية
بعد أن غاب ظل مبارك، وجدت مصر نفسها في فضاء سياسي غريب، يحمل حرية لم يعتد عليها الناس لكنه يفتقر إلى أي خارطة طريق واضحة للمستقبل، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، إدارة شؤون البلاد بشكل مُعلن، فيما عُرف بالمرحلة الانتقالية، لكن هذه الإدارة سرعان ما كشفت عن تناقض جوهري: فبينما سمح المجلس بإجراء انتخابات برلمانية ثم رئاسية، وأشرف على نقل السلطة ظاهريًا إلى حكومة مدنية منتخبة، ظلت مقومات السلطة الفعلية – من أمن الدولة إلى الاقتصاد الاستراتيجي – حبيسة قبضة المؤسسة العسكرية التي حافظت على امتيازاتها ومصالحها الاقتصادية الهائلة بعيدًا عن أي رقابة.
وفي خضم هذا الفراغ، برزت جماعة الإخوان المسلمين، الأقدر تنظيميًا والأكثر تجذرًا في الشارع، لتفوز بأغلبية مقاعد البرلمان ثم بفوز مرشحها الدكتور محمد مرسي بالرئاسة في صيف 2012، ولكن حكم الإخوان، الذي بدأ بوعود بإشراك الجميع و”تحقيق أهداف الثورة”، سرعان ما اصطدم بجدار الواقع، وبدلاً من بناء تحالفات واسعة، انغمس في صراعات سياسية وقانونية مع مؤسسات الدولة العميقة والقضاء والإعلام، كما أثار استياءً شعبيًا واسعًا بسبب محاولات إدماج رموزه في مفاصل الدولة وسياساته الاقتصادية غير الواضحة، مما دفع قطاعات كبيرة من الشعب، بما في ذلك العديد من الثوار السابقين، للشعور بأن الثورة تُختطف لصالح أجندة حزبية ضيقة.
وتصاعدت الاحتجاجات المناهضة لمرسي بشكل كبير بحلول الذكرى الأولى لتوليه الرئاسة، ووصلت ذروتها في 30 يونيو 2013 بمظاهرات حاشدة طالبت برحيله، وانحاز الجيش، بقيادة وزير الدفاع آنذاك المشير عبد الفتاح السيسي، إلى هذه المطالب الشعبية، معلنًا عزل الرئيس مرسي في 3 يوليو 2013 فيما وصفه بأنه “استجابة لإرادة الشعب”، بينما اعتبرته الجماعة ومعظم القوى الإسلامية انقلابًا عسكريًا على الشرعية، وأعقب ذلك موجة قمع غير مسبوقة شملت فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بعنف دموي، واعتقالات جماعية طالت عشرات الآلاف من أنصار الإخوان والسياسيين والنشطاء، وإغلاق فضائيات معارضة، وتمرير قوانينتقيد عمل منظمات المجتمع المدني تحت ذرائع أمنية.
وهكذا، وبعد عامين فقط من الاحتفاء بسقوط النظام القديم، دخلت مصر في دورة جديدة من الحكم السلطوي المركّز، بل إنها اتخذت أبعادًا أقسى من ذي قبل، فبالإضافة إلى تضييق الخناق على الحريات العامة ومحو أي أثر للمعارضة المنظمة، استمرت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ثار الناس بسببها في التفاقم، ولقد تحوّل شعار “العدالة الاجتماعية”، الذي رفعه العمال والفلاحون في ثورتهم، إلى مجرد ذكرى بعيدة في ظل سياسات تقشفية وزيادات متتالية في الأسعار، لتبتلع الدولة الجديدة، تحت شعارات الاستقرار والأمن، الأحلام نفسهاالتي ولدت منها الثورة.
4. إعادة إنتاج الحلقة التاريخية
مصر، بتعبير المؤرخين، تكتب تاريخها في حلقة مفرغة: ثورة تتبعها انتكاسة، تليها انتفاضة جديدة ضد الانتكاسة نفسها، وهذا الإيقاع المحتوم – ثورة كل جيل تقريباً – ليس صدفة، بل هو نمط عميق الجذور في تكوين الدولة والمجتمع، فمنذ ثورة أحمد عرابي عام 1881 ضد الخديوي توفيق والهيمنة الأجنبية، التي انتهت بالاحتلال البريطاني، وحتى ثورة 1919 العظيمة ضد ذلك الاحتلال، والتي نجحت في استقلال شكلي لكنها أجهضت حلم الدستور البرلماني الحقيقي لصالح نظام ملكي مستبد مدعوم من البريطانيين، كانت النتيجة تتكرر: فور انحسار الموجة الثورية الجماهيرية، تعود الدولة المركزية العميقة، بمؤسساتها الأمنية والبيروقراطية، لتعيد تركيب نفسها، غالباً بأشكال أقسى.
وثورة يوليو 1952 التي قادها الضباط الأحرار قدمت النموذج الأكثر وضوحاً لهذه المفارقة، فلقد أطاحت بالملكية وطردت القوى الاستعمارية، وحققت إصلاحاً زراعياً وطنيًا، لكنها سرعان ما حَوَّلت الحلم الجمهوري إلى دولة أمنية شمولية تحت قيادة واحدة، وألغت الحياة الحزبية وحولت الشعب إلى رعايا في دولة أبوية، وهكذا فإن الثورة المضادة لم تكن تأتي دوماً من الخارج، بل كانت تنبت من داخل المشروع الثوري نفسه عندما يبدأ في تبني أدوات الدولة القمعية لتحقيق أهدافه، فلقد زرعت يوليو بذور نظام مبارك البوليسي والاقتصاد الموجه لصالح النخب الحاكمة، وهو النظام الذي ثارت ضده أجيال لاحقة.
وهذا ما يفسر المشهد المأساوي الذي تلا 2011، فبعد أن أسقطت انتفاضة يناير نظاماً عمره ثلاثون عاماً في 18 يوماً، عادت الدورة التاريخية للدوران بسرعة قاسية، وجدت مصر نفسها في مواجهة ذات المعضلة القديمة: كيف تبني نظاماً سياسياً جديداً في فراغ مؤسسي، بينما تتربص “الدولة العميقة” غير القابلة للاختراق، وسقط الإخوان المسلمون، الذين وصلوا للسلطة عبر صناديق الاقتراع، في الفخ نفسه: فبدلاً من تفكيك آلة الدولة الأمنية والتفاوض مع مكونات المجتمع كافة، حاولوا إدماج أنفسهم في هياكلها لتحويلها لصالحهم، مما أثار هلع المؤسسةالعسكرية والبيروقراطية ودفعها للتحالف مع القوى العلمانية الغاضبة لإسقاطهم في 2013، وهكذا تحولت الثورة، في عيون كثير من شبابها، من انتفاضة ضد الاستبداد إلى مجرد صراع على السلطة بين قوتين هائلتين (الجيش والإخوان)، كلتيهما تتبنى نظرة سلطوية للحكم.
فإذن، ليست المسألة مجرد “فشل” متكرر للثوار، بل هي إشكالية بنيوية في طبيعة الدولة المصرية الحديثة ذاتها، التي بُنيت منذ محمد علي على مركزية هائلة وهشاشة المجتمع المدني، فالدولة بجيشها وأجهزتها، أقوى من أن تسقطها مظاهرات، وأضعف من أن تقود تحولاً ديمقراطياً حقيقياً يهدد امتيازاتها، والثوار بتشتتهم وتطلعاتهم الفردية وسرعة انهيارتحالفاتهم، لا يملكون البديل المؤسسي الجاهز، والنتيجة هي هذه الدراما الدورية: يثور الشعب حين يصل القهر والفساد لذروة لا تُحتمل، فيسقط الوجوه، لكن الهيكل يبقى، ليعيد إنتاج نفسه من جديد، حاملاً وعوداً بالأمن والاستقرار كرد فعل على فوضى المرحلة الانتقالية، وحتى تتراكم المظالم من جديد، وتستعد دورة الغضب التالية للانفجار، إنها ليست لعنة تاريخية، بل هي معادلة صعبة لم يحُل حلها بعد: كيف يمكن كسر الحلقة دون أن تبتلع الثورة أبناءها، ودون أن تتحول الدولة من أداة قمع إلى إطار لحماية الحرية والكرامة التي ثار الناس من أجلها.
5. التدخلات الخارجية
شكل الموقف الأمريكي خلال ثورة 25 يناير نموذجاً كلاسيكياً على التناقض الاستراتيجي الذي يمزق السياسة الخارجية لواشنطن عند مواجهة انتفاضات شعبية في دول حليفة، ولم يكن التردد الأمريكي لحظة اندلاع الثورة سوى ذروة لمسار طويل، حيث تمتعت مصر لعقود بموقع مركزي في الهندسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، فتحول النظام المصري إلى حجر زاوية في الاستقرار الإقليمي كما تُعرف واشنطن، وكانت المساعدة العسكرية الأمريكية السنوية التي تبلغ حوالي 1.3 مليار دولار رمزاً مادياً واضحاً لهذه الشركة، وهي صفقة ضمنية تبادلت فيها واشنطن الدعم بضمان استمرار السلام مع إسرائيل ومرور السفن عبر قناة السويس والتعاون في مكافحة “الإرهاب”.
وعندما انفجر الشارع المصري في يناير 2011، وجدت الإدارة الأمريكية، بقيادة باراك أوباما، نفسها في مأزق وجودي بين قيمها المعلنة وحساباتها الجيوبوليتيكية، فانقسم مجلس الأمن القومي والحكومة الأمريكية بشكل حاد: دفع فريق بقيادة بعض المستشارين، متأثراً بخطاب أوباما الموجه للعالم الإسلامي في القاهرة عام 2009، نحو ضرورة الوقوف إلى جانب “التطلعات الديمقراطية” للشعب المصري والانسجام مع روح العصر، وفي المقابل حذرت أجهزة المخابرات والبنتاجون ووزارة الخارجية من مخاطر التغيير الجيوبوليتيكي، مفضلة التمسك بالرجل الذي تعرفه (مبارك) خوفا من فراغ سلطة أو صعود قوى إسلامية قد تعيد النظر في المعاهدة مع إسرائيل.
وظهر هذا الانقسام علنا عبر التصريحات المتباينة؛
كان أوباما يصف الاحتجاجات بأنها “ملهمة”، كان نائب الرئيس جو بايدن يُصر في مقابلة تلفزيونية على أن مبارك ليس “ديكتاتوراً” وأنه لا ينبغي له التنحي، واستمرت هذه الحالة من الشلل طوال الأيام الثمانية عشر الحاسمة، حيث تتالت الاجتماعات في البيت الأبيض دون قرار حاسم، بينما كانت واشنطن تتواصل سراً مع قادة الجيش المصري لاستقراء موقفهم وضمان حماية مصالحها الأساسية بغض النظر عن مصير مبارك الشخصي.
وبعد تنحي مبارك، تحولت المعضلة من كيفية التعامل مع حليف آيل للسقوط إلى كيفية إدارة المرحلة الانتقالية مع الحفاظ على الهيمنة، وهنا تحركت الواقعية ببرود شديد، فبدلاً من دفع عملية انتقال ديمقراطي حقيقي قد تخرج عن السيطرة، عملت الدبلوماسية الأمريكية على قناة موازية لضمان بقاء مؤسسات الدولة العميقة، وخصوصاً الجيش، كفاعل رئيسي، ولم تكن واشنطن تدعم الديمقراطية المجردة، بل كانت تسعى لديمقراطية مُدارة تضمن استمرار الامتيازات الاستراتيجية.
وتبلور هذا الموقف بوضوح مع صعود الإخوان المسلمين للسلطة عبر صناديق الاقتراع، فقد قبلت واشنطن بهذا الواقع بصعوبة، وحاولت إقامة حوار عملي مع حكومة مرسي، لكن شكوكها ظلت عميقة، وعندما اندلعت الاحتجاجات الضخمة ضد حكم مرسي في صيف 2013، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مرة أخرى في موقف صعب، وكانت القيم الديمقراطية تقتضي الدفاع عن شرعية الرئيس المنتخب، لكن حسابات الاستقرار والعلاقة مع الجيش المصري القوي دفعتها نحو الحياد الحذر.
وانتهت المعادلة بقرار التخلي عن خطاب الديمقراطية علناً لصالح الاستقرار، فلم تصف واشنطن عزل الجيش لمرسي في 3 يوليو 2013 بأنه “انقلاب”، متجنبة القوانين الأمريكية التي تفرض قطع المساعدات في مثل هذه الحالات، وكانت هذه التسمية المتحفظة بمثابة ضوء أخضر ضمني للمشير السيسي والقوات المسلحة للمضي قدماً في خطتهم، فلقد أدركت الإدارة الأمريكية أن الجيش، بقيادته الموحدة وسيطرته على الدولة، هو الشريك الوحيد القادر على ضمان الاستمرارية التي تريدها واشنطن في المنطقة، بغض النظر عن الثمن الديمقراطي أو حقوق الإنسان.
وهكذا، فإن التدخل الأمريكي – أو عدمه الفاعل – خلال ثورة يناير وما بعدها، لم يكن انحيازاً للشعب أو لقيم الحرية، بل كان تعبيراً صارخاً عن أولويات السياسة الواقعية، فلقد ضحَّت واشنطن طواعية بحلم الديمقراطية المصرية على مذبح المصالح الاستراتيجية الثابتة، مكرسة بذلك دورة تاريخية من الدعم للدولة العميقة على حساب المجتمع، وهو نمط يكرر نفسه عبر عقود من السياسة الأمريكية في المنطقة.
6. الأهداف التي لم تتحقق
عندما يتحول الحلم إلى ذاكرة، وتتحول الشعارات إلى مجرد أصداء في ساحة مهجورة، يصبح السؤال عن “ما تحقق” جريحًا يؤرق الضمير الجمعي، فلقد تآكلت شعارات “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية” التي رفعت في ميدان التحرير، مع مرور العقد، لتصبح في أفضل الأحوال أمنيات معلقة، وفي أسوئها شاهدًا على فجوة سحيقة بين الوعد والواقع، ولقد بدا أن الثورة، بعد أن أسقطت رأس النظام، توقفت عن الزحف نحو جذوره العميقة في مؤسسات الدولة، فعادت تلك المؤسسات – وخاصة الأمنية منها – لتظهر من تحت الرماد بأسماء جديدة ولكن بممارسات قديمة، بل وأكثر قسوة في بعض الأحيان، فجهاز أمن الدولة الذي اقتحم الثوار مقاره وصادروا ملفاته، عاد للظهور تحت مسمى “جهاز الأمن الوطني”، وأعيد نشر قوات الأمن المركزي في الشوارع، بينما ظلت آلاف عائلات الشهداء والجرحى تنتظر تحقيق العدالة.
وعلى صعيد الحرية، يشير واقع الحال إلى تقلص مساحة الحريات بشكل كبير عما كان يطمح إليه المتظاهرون، فبعد فترة وجيزة من الانفتاح النسبي، شهدت مصر حملات اعتقالات واسعة طالت النشطاء والصحفيين والمعارضين السياسيين، ولقد تحولت السجون المصرية، حسب تقارير المنظمات الحقوقية، إلى مكان يحتضن العديد من رموز الثورة أنفسهم، مثل المدون علاء عبد الفتاح والناشط أحمد دومة، بينما اضطر آخرون مثل وائل غنيم إلى العيش في المنفى، وهذا المصير لرموز التغيير يقدم صورة قاسية عن مصير الحلم الذي حملوه؛ فالكثير من الذين كانوا وجوه الأمل في 2011 إما هم اليوم قيد السجن، أو يعيشون في خوف، أو غادروا البلاد هربًا من القمع.
أما على جبهة “العيش” والعدالة الاجتماعية، فتتضارب الآراء بين فريقين: فريق يرى استمرار التحديات الاقتصادية واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وفريق آخر يؤمن بأن الدولة تبذل جهودًا إصلاحية وتنموية، ومع ذلك، يقر المتحمسون للإصلاحات بأن الطريق لا يزال طويلاً وأن التحسن الاقتصادي لم يلمسه المواطن العادي بالشكل المأمول، ولقد ترسخ إحساس عميق لدى شريحة كبيرة من المصريين، وخاصة الشباب الذين كانوا وقود الثورة، بأنهم “لم يحصلوا على شيء” من حلم العيش الكريم أو العدالة الاجتماعية التي خرجوا من أجلها.
النتيجة الحتمية لهذا المشهد المركب من خيبة الأمل السياسية والضغوط الاقتصادية كانت نزيفًا بشريًا ومعنويًا هائلاً، وحلَّت حالة من الإحباط الشامل محل الأمل الثوري الجامح، مما دفع آلاف الكفاءات الشبابية إلى اختيار مغادرة البلاد، إما طوعًا بحثًا عن فرص أفضل، أوقسرًا هربًا من الملاحقة، وهذا الهجران الجماعي للعقول والطاقات، مصحوبًا بشعور عام باليأس من إمكانية التغيير، ربما يكون أحد أعمق وأكثر النتائج إيلامًا لانزياح الثورة عن مسارها، فلقد تحولت الكرامة الإنسانية التي نادى بها الثوار، من مطلب جماعي في الميدان، إلى معركة فردية يومية للبقاء والحفاظ على الذات في ظل أوضاع يصفها بعض من عاشوا الحلم بأنها “صفعة شديدة” لفشلهم في بناء إجماع واستعادة زخم التغيير.
ففي اللحظة التي بدا فيها أن الغبار يستقر فوق أنقاض نظام مبارك، أدرك المصريون، بمرارة متأخرة، أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، لقد أسقطوا الرأس الظاهر للتمثال، لكن القاعدة الصخرية التي ترسخ عليها حكمه لثلاثة عقود – الدولة العميقة بمكوناتها الأمنية والبيروقراطية والقضائية – ظلت صامدة بل ومستعدة للانقضاض، ففي غضون أسابيع قليلة، أعادت هذه الأجهزة تجميع صفوفها بسرعة مذهلة، تاركة للحكومة الانتقالية ومجلس القوات المسلحة مظهر السلطة، بينما احتفظت هي بجوهرها، فلقد تعلمت هذه المؤسسات من صدمة الثورة كيف تتكيف وتتخفى، فعادت أجهزة الأمن بأسماء جديدة، واستمرت البيروقراطية في تعطيل أي إصلاح حقيقي، بينما انشغلت القوى الثورية التي اجتمعت تحت خيمة “إسقاط النظام” في صراعات وجودية وخلافات أيديولوجية حول الأولويات: هل الدستور أولاً أم الانتخابات؟ أم محاكمة رموز النظام الفاسدين؟ فبدلاً من بناء مؤسسات بديلة، غرقوا في جدل لا نهاية له، مما أتاح للدولة العميقة أن تستعيد أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها.
ومع مرور الوقت، أخذ المشهد يتغير بشكل جذري لصالح القوى القديمة، فبينما كان يُفترض أن الثورة ستطلق العنان لمجتمع مدني نابض ومستقل، حدث العكس تمامًا، فقد شُنت حملة منهجية لتطويق هذا المجتمع وتجفيف منابعه، من خلال قوانين مقيدة للعمل الأهلي، وملاحقات أمنية للناشطين، وتضييق الخناق على التمويل الأجنبي، حتى تحولت منظمات حقوق الإنسان التي سجلت انتهاكات النظام القديم ودافعت عن المعتقلين، إلى هدف للنظام الجديد نفسه، وفي المقابل، وفي صمت وبتخطيط دقيق، وسع الجيش المصري من إمبراطوريته الاقتصاديةالهائلة لتتجاوز مجالات الصناعات التقليدية مثل الإسمنت والأجهزة المنزلية، إلى الاستثمار في البنية التحتية والعقارات والسياحة وحتى المنتجات الغذائية، فلقد تحولت القوات المسلحة إلى لاعب اقتصادي مسيطر لا ينافس، حيث تعمل شركاته بمعزل عن الرقابة البرلمانية أو الشفافية، مما وفر لها قاعدة مالية وسياسية صلبة عززت استقلاليتها ونفوذها بشكل غير مسبوق.
وهكذا، وبعد أكثر من عقد على تلك الأيام المجيدة في ميدان التحرير، نجد أن الدورة التاريخية قد أغلقت حلقتها بإحكام.
فالطيف السياسي الذي اتسع للحظة تاريخية تحت شموسية”الشعب يريد إسقاط النظام”، عاد وانغلق بشدة أكبر من ذي قبل، ولم يعد هناك إلا صوت مسموع واحد، وخطاب إعلامي موجه، وحزب مهيمن، ومسار سياسي لا يحتمل المنافسة، لقد تحقق، في النهاية، ما حذر منه المحللون منذ البداية: أن الثورة التي لا تتمكن من تفكيك دولة القمع العميقة وإعادة بناء العقد الاجتماعي، تكون قد حفرت، دون أن تدري، قبرها بيديها، وأصبحت النتيجة الأكثر قسوة هي أن النظام الجديد لم يكتف بإعادة إنتاج نظام مبارك، بل طوّره إلى نسخة أكثر صلابة وقدرة على البقاء، ترفع شعارات التنمية والاستقرار فوق كل صوت معارض، وتقدم نفسها كحصن ضد الفوضى، في حين أنها في الحقيقة الوريث الشرعي والحارس الأمين للفوضى البنيوية نفسها التي أفرزت الثورة من أساسها.






















