أتابع عن كثب، في مثل هذا التوقيت من كل عام، الآراء التي تتناول ثورة يناير، بين سياسيين ومثقفين ومختلف طوائف المجتمع، بحثًا عن إجابة نهائية. ومع كل محاولة للفهم، يبقى السؤال معلقًا، يبحث عن جواب لا يأتي، وكأن يناير قررت أن تظل سؤالًا مفتوحًا أكثر منها إجابة قاطعة.
منذ اندلاع أحداث يناير، لم تهدأ حالة الجدل داخل المجتمع المصري حول توصيف ما جرى. لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل تحول إلى خلاف اجتماعي يتسلل إلى البيوت، ويتكرر في المجالس، وينقسم حوله الأصدقاء وأبناء الجيل الواحد. فهناك من يراها ثورة صحيحة خرجت من رحم المعاناة، وهناك من يراها خطأً تاريخيًا دفعت الدولة والمجتمع ثمنه غاليًا، وبين الرأيين تقف مساحة واسعة من الحيرة والأسئلة.
أنصار يناير يرون أن ما حدث لم يكن ترفًا سياسيًا ولا مغامرة غير محسوبة، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الغضب والإحباط. مجتمع شعر بانسداد الأفق، وتآكل الطبقة الوسطى، وغياب العدالة الاجتماعية، وانعدام الأمل في التغيير عبر القنوات التقليدية. من هذا المنطلق، كان الخروج إلى الشارع بالنسبة لهم تعبيرًا مشروعًا عن رفض واقع لم يعد يحتمل الصمت. هؤلاء لا ينكرون ما أعقب يناير من فوضى واضطراب، لكنهم يصرون على الفصل بين الدافع والنتيجة، معتبرين أن الخطأ لم يكن في الحلم ذاته، بل في طريقة إدارته، وأن الثورة كفكرة كانت صادقة، لكنها وقعت في أيدٍ لم تكن مؤهلة لتحويلها إلى مشروع دولة.
في المقابل، يرى فريق آخر من المجتمع أن يناير كانت خطأً جسيمًا في التوقيت والنتائج، وأن حسن النية لا يكفي لبناء الأوطان. هذا الفريق ينطلق من تجربة ما بعد الحدث، حيث شهدت البلاد تراجعًا أمنيًا واقتصاديًا، وانقسامًا سياسيًا حادًا، وتهديدًا مباشرًا لكيان الدولة. من وجهة نظرهم، كانت المشكلات قائمة قبل يناير بالفعل، لكن علاجها لم يكن بالهدم السريع دون بديل واضح، ولا بفتح أبواب الفراغ أمام قوى أكثر تنظيمًا وأقل وطنية. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الدولة لا تُدار بالغضب، وأن كلفة الفوضى كانت أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة، وأن المجتمع بأكمله دفع ثمن لحظة لم تُحسب عواقبها جيدًا.
وبين هذين الرأيين المتقابلين، برز مع الوقت اتجاه ثالث أكثر هدوءًا ونضجًا، لا ينحاز بالكامل لأي من الطرفين. يرى أصحاب هذا الاتجاه أن يناير لم تكن جريمة ولا بطولة مطلقة، بل لحظة إنسانية صادقة افتقدت القيادة والرؤية. لحظة كشفت حجم الأزمات الكامنة، وأظهرت هشاشة الوعي السياسي، وأكدت أن التغيير دون تنظيم قد يتحول من أمل إلى عبء. هؤلاء لا ينشغلون بإدانة الماضي بقدر انشغالهم باستخلاص الدروس، معتبرين أن المشكلة لم تكن في طرح السؤال، بل في غياب الإجابة عما بعده.
الحقيقة أن استمرار الجدل حول يناير يعكس انقسامًا أعمق داخل المجتمع نفسه، بين من يخشى الفوضى مهما كان الثمن، ومن يرفض الصمت مهما كانت العواقب. لكنه يكشف أيضًا حقيقة أكثر قسوة، وهي أن النية الطيبة وحدها لا تصنع سياسة، وأن الغضب الشعبي، مهما كان مبررًا، لا يكفي لبناء دولة مستقرة دون وعي، ومؤسسات، وخبرة.
ربما لم يعد السؤال اليوم: هل كانت يناير صحيحة أم خاطئة؟
بقدر ما أصبح السؤال الأهم: كيف نتعلم مما حدث، دون أن نكرر أخطاء الفوضى، ودون أن نعود في الوقت نفسه إلى صمت ما قبل الانفجار؟



















