أكد الدكتور أحمد أبو علي، الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن السوق العقاري المصري يقف حاليا أمام مرحلة فارقة تختلف جذريا عن المراحل السابقة، موضحا أن السنوات المقبلة لن تكون امتدادا لدورات الصعود التقليدية، وإنما بداية لمرحلة جديدة عنوانها “النضج الاقتصادي”، حيث تصبح الكفاءة، وجودة المنتج، والملاءة المالية للمطورين العقاريين، هي المعايير الحقيقية للنجاح، بدلًا من الاعتماد على امتلاك الأراضي أو الإعلان عن مشروعات جديدة.
العقار جزء من المنظومة الاقتصادية
وأوضح أبو علي فى تصريح خاص لـ”الحرية”، أن كثيرين ينظرون إلى العقار باعتباره مجرد سلعة ترتفع وتنخفض أسعارها، بينما الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدا، إذ أصبح العقار في مصر جزءًا من منظومة اقتصادية متشابكة ترتبط بالاستثمار والإنتاج والتشغيل والبنية التحتية والسياسات النقدية والمالية، مؤكدا أن قراءة مستقبل السوق العقاري لا يمكن أن تتم بمعزل عن قراءة مؤشرات الاقتصاد الكلي للدولة.
السوق يستند إلى طلب حقيقي
وأضاف أحمد، أن الفلسفة الاقتصادية تؤكد أن الأسواق لا تنهار بسبب ارتفاع الأسعار، وإنما عندما تفقد ثقة المستثمرين أو تتوقف دورة النشاط الاقتصادي، وهو ما لا ينطبق على السوق المصري، الذي لا يزال يعتمد على قاعدة طلب حقيقية مدفوعة بالنمو السكاني، والتوسع العمراني غير المسبوق، واستمرار الدولة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة، وهي عوامل تمنح السوق قدرًا كبيرًا من الاستقرار مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية.
وأشار الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تراجعًا واضحًا لثقافة “الشراء بهدف إعادة البيع السريع”، مقابل زيادة الاعتماد على الاستثمار طويل الأجل في الوحدات السكنية والتجارية والإدارية والفندقية، مؤكدًا أن هذا التحول يعد مسارًا طبيعيًا تشهده الأسواق عندما تصل إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا.
المنافسة على القيمة وليس الأسعار
وأكد أبو علي، أن المنافسة بين شركات التطوير العقاري لن تكون في رفع الأسعار، وإنما في تقديم قيمة مضافة حقيقية للعميل، تشمل جودة التنفيذ، والإدارة الاحترافية، والخدمات الذكية، والعائد التشغيلي، والالتزام بمواعيد التسليم، مشددًا على أن السوق سيكافئ الشركات الأكثر كفاءة، بينما سيصبح أقل تسامحًا مع النماذج التي تعتمد على التسويق فقط دون امتلاك مقومات مالية وتشغيلية قوية.
إعادة هيكلة نماذج الأعمال
وأضاف أحمد، أن التطورات الأخيرة في السياسات النقدية والتمويلية ستدفع شركات التطوير العقاري إلى إعادة هيكلة نماذج أعمالها، والاعتماد بصورة أكبر على الإدارة المالية الرشيدة، وتنويع مصادر التمويل، بما يعزز استدامة القطاع على المدى الطويل، لافتًا إلى أن هذا التحول قد يبدو صعبًا في بدايته، لكنه يمثل خطوة ضرورية لبناء سوق أكثر قوة وانضباطًا.
وأوضح أبو علي، أن الحديث المتكرر عن وجود “فقاعة عقارية” في مصر يتجاهل الفروق الجوهرية بين السوق المصري والأسواق التي تعرضت لانهيارات تاريخية، مشيرًا إلى أن تلك الأزمات جاءت نتيجة توسع ائتماني مفرط ومضاربات ممولة بالديون، بينما يعتمد جانب كبير من السوق المصري على التمويل الذاتي وأقساط العملاء، إلى جانب استمرار الطلب الحقيقي على الوحدات السكنية والتجارية.
واختتم الدكتور أحمد أبو علي، تصريحه بالتأكيد على أن السؤال لم يعد: “هل سيستمر السوق العقاري المصري؟” وإنما “كيف سيتغير؟”، موضحا أن السوق يتجه نحو مزيد من الاحترافية والانضباط والاعتماد على القيمة الاقتصادية الحقيقية، وأن المستقبل لن يكون للأكبر حجما، وإنما للأكثر كفاءة، ولن يكون لمن يبيع أكثر، بل لمن يستطيع بناء ثقة العملاء والحفاظ عليها، مؤكدًا أن العقار في النهاية ليس مجرد مبنى، بل انعكاس مباشر لقوة الاقتصاد وثقة المجتمع في مستقبله، وكلما ازدادت هذه الثقة، ازدادت قدرة السوق على تحقيق نمو أكثر استدامة.
اقرا ايضا: حين يتغير الشارع.. كيف تعيد الأنشطة التجارية رسم خريطة أسعار العقارات؟




















