عائد من عالم البرزخ يحتفل بذكرى 30-6
إنني لسانُ حالِ مواطنٍ مصريٍ بسيط، لقيت حتفي في العاشر من شهر يونيو عام 2013 إثر حادث سير مروع، وإذا بيَّ الآن أجد نفسي مستلقيـًا على ظهري مستغرقـًا في سُبات أبدي، في غرفه لا يتخللها ضوء النهار أبدًا ولا تكاد تسمع فيها أي صوت، أفترش التراب وتغطيني بعض اللفافات البيضاء، أجل!! سرعان ما أيقنت أنني لم أنجُ من ذلك الحادث، وأن روحي فارقتني لعالم البرزخ، وها هي السنين تمرُّ ورُفاتي على هذا الوضع الهادئ المسالم، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي أحاَل هدوءَ لحدي إلى ضوضاءٍ عارمةٍ، وإذا بضوء النهار يجتاح غرفتي الصغيرة كالسيل العارم وأصوات الحفارات تعلو أصوات المارة، فشعرت ببعض السعادة متسائلًا في نفسي: هل قرر هؤلاء الناس تجديد مقابر السيدة عائشه أخيرًا؟، هل ياترى آن الآوان لنحظى ببعض الأنس؟!، فأخذت أسترق السمع علَّني أعرف شيئـًا مما يحدث في بلدنا الآن، فأنا فارقت الحياة بعد سقوط جماعة الإخوان المسلمين فلعلَّ حالنا الآن تبدل إلى الأفضل، وأن أحلام شباب ثورة 25 يناير قد آن لها أن تتحقق، وأن الإصلاحات قد تتابعت حتى باتت تطال الأموات كما الأحياء، وأني سأحظى ببعض التحسينات داخل مقبرتي الصغيرة. َ
حاولت أن أسترجع بعض الذكريات التي عايشتها في حياتي السابقة، وتساءلت كيف كان لحياتنا ومستقبلنا أن يكون شكله لو أن نظام جماعة الإخوان كان قد استمر حتي يومنا هذا؟، وكيف كان سيؤثر وجودهم على كافه مناحي الحياة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي؟، وكذلك كيف سيكون حال الحريات مع هذه الجماعة؟!.
وأثناء محاولتي استيعاب ما يحدث حولي قلت في قرارة نفسي إنه من المؤكد أن السجون لأسباب سياسية قد تقلصت الآن بنسبة كبيرة؛ مقارنة بما كانت عليه في فترة وجود جماعة الإخوان المسلمين وأن الناشطين أمثال: “أحمد دومة” و”علاء عبد الفتاح” باتوا يباشرون أنشطتهم السياسية الآن، لكن سرعان ما شعرت بالضيق.
فكأن سيلًا من الذكريات اجتاح خاطري دفعةً واحدهً فتذكرت كيف عاني الشعب من الأزمات الاقتصادية التي مرَّت بها البلاد بسبب توقف الصناعة والسياحة وارتفاع سعر صرف الدولار؛ فقد وصل سعره آنذاك إلى أكثر من ٦ جنيهات، وكان الإخوان يسعون إلى رفع أسعار المحروقات، وإلغاء الدعم عليها، فقد كان سعر لتر البنزين 80 قرشـًا!! و بعد رفع الدعم عليه كان سيصل سعر اللتر الي ٣.٧٥ قرشـًا؟!، أي بما يعادل نصف دولار؟!، أي سيرتفع بمعدل 4 أضعاف، وكان سيترتب على ذلك ارتفاع أسعار جميع السلع، أما بعد ثورة 30 يونيو فمن المؤكد أن الوضع قد تغير وبات المواطن يشعر بالراحة أكثر، وأن المرتبات قد تحسنت وكذلك الأسعار.
وجال في ذهني ما آلت إليه حرية الصحافه اليوم، ففي عصر الإخوان المسلمين كانت حرية الصحافة قد تراجعت بشكل كبير وذلك بسبب القيود التي فرضتها الجماعة والأفعال المشينة التي قاموا بها مثل: قتل “الحسيني ابو ضيف” وأيضاً تقديم البلاغات ضد 600 صحفيـًا، وتلك أفعال لم يشاهدها أي نظام من قبل، فأنا أتذكر أنه خلال تغطية أحد المؤتمرات وبسبب الأسلوب المتعجرف مع الزملاء قمنا بالانسحاب، والغريب أنهم قدموا بلاغات للنائب العام بجميع الصحفيين والإعلاميين الذين حضروا ذلك المؤتمر؟!، ولا يوجد أي نظام فعل ذلك منذ قيام الدولة، وهذا التقييد في حرية الصحافة جعل مصر في المركز ال 141 بين 179 في حرية الصحافة، فكنت لا أتوقع أن تخرج مثل تلك الأفعال من نظام كان يتعرض للاضطهاد لسنوات قبل أن يصل إلى السلطة.
لقد كان حكم تلك الجماعة صعبـًا على كافة المستويات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثم شعرتُ بالسعادة بعدما تذكرت ذلك الأمل الذي غمر قلوب المصريين بعدما ظهرت حملة تمرد التي التف حولها سواد الشعب لتحقيق مطالب ثورة 25 يناير: مثل العيش والحرية والكرامة، وأن يعود لمصر دورها الريادي مرةً أخرى، فلابُد أن الشعب الآن يعيش في أزهى عصوره بعدما نجحت الحملة وحققت كل المطالب وحاسبت الفاسدين.
فجأة شعرت كأن أحدًا يحمل رُفاتي وينقله إلى مكان ما، يبدو أنني وصلت لقبر ما لأستقرَ به مرةً أُخرى، وكنت أتمنى لو أنني أعود للحياة حتى أرى أحلام 30 يونيو تتحقق على أرض الواقع، فإني أظن أن المجتمع المصري بات يعيش واقعـًا أفضل بكثير بعدما تمكن من التخلص من حُكم الجماعة للأبد، تلك التي كادت تقتل ثوره 25 يناير وتسجن شبابها، ولابُد أن أهالي شهداء 25 يناير ينعمون بالطمأنينة الآن بعد رجوع حقوق أبنائهم الذين .ماتوا في خضم الأحداث التي مرَّت بها البلاد






















