لقد أصبح من الواضح أن هناك نهجاً ممنهجاً يعتمد على “شيطنة” كل صوت وطني يطالب بتعديل قوانين الأحوال الشخصي، إن محاولة تصوير الآباء والأمهات والمطالبين بالحقوق كـ “جماعات إرهابية” أو “تيارات متطرفة” ليست صدفة، بل هي محاولة خبيثة تستهدف تزييف وعي الرأي العام.
تهدف هذه المحاولات إلى الترهيب لإسكات أي صوت معترض، وتضليل المجتمع عن جوهر المطالب العادلة (كالرعاية المشتركة)، وممارسة الضغط لتمرير نصوص قانونية تفتت الأسرة المصرية.
إن اتهامنا بالإرهاب هو هروب من المواجهة الفقهية والقانونية، لأنهم يعلمون أن منطقنا يستند إلى الشريعة والدستور، بينما منطقهم يستند إلى أجندات تسعى للتفكيك.
وفي هذا المقال، نضع النقاط على الحروف ونفند هذه الادعاءات بالدليل الشرعي، الدستوري، والقانوني الدولي
أولاً: الارهاب الفكري ومصادرة الوعي (سقوط اتهام “المتطرفين”)
️إن محاولة تصوير الآباء المتضررين أو المتخصصين الشرعيين والتربويين الذين ينتقدون ثغرات مسودات القوانين المطروحة بأنهم “خلايا متطرفة” أو “إرهابيون”، هي محاولة بائسة لمصادرة الرأي الآخر وإقرار قوانين مشبوهة عبر الترهيب النفسي. ويرد على هذا الافتراء بالآتي:
الشرعية الدستورية لحرية التعبير: تنص المادة (65) من الدستور المصري على أن “حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والحق في النقد البناء”. فالاعتراض على مقترح قانوني أو المطالبة بتعديله هو صلب العمل التشريعي والدستوري، وليس عملاً تخريبياً.
الدفاع عن هوية الدولة: تنص المادة الثانية من الدستور على أن “الإسلام دين الدولة… ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”. بناءً عليه، فإن أي مواطن يطالب بتطبيق أحكام الشريعة في أحواله الشخصية، إنما يمارس واجباً وحقاً دستورياً أصيلاً لحماية هوية وطنه، والمنحرف عن الدستور هو من يحاول إقصاء الشريعة.
طبيعة المتضررين: إن المطالبين بتعديل بنود “الرؤية العقيمة” واستبدالها بـ “الاستضافة والرعاية المشتركة” هم روابط تضم ملايين من الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات، الذين يمثلون نسيج المجتمع المصري بمختلف فئاته (أطباء، مستشارين، مهندسين، عمال)، وربط قضاياهم الإنسانية بالأجندات السياسية أو الجماعات المتطرفة هو محض كذب وافتراء لتشويه عدالة قضيتهم.
ثانيًا: التدليس في المقارنات الدولية (نموذج النظام السعودي)
غالباً ما تلجأ الأصوات إلى المقارنة بـ “النظام السعودي الجديد” لإحراج المشرع المصري أو لتصوير القوانين المصرية الحالية بأنها “ذكورية ومتأخرة”. والحقيقة أن المقارنة جاءت مجتزأة ومضللة تماماً:
وهم “طرد الزوج والتمكين المطلق”
الوضع في مصر: بمجرد وقوع الطلاق، تُمكن الأم الحاضنة من “مسكن الزوجية” (حتى لو كان مملوكاً للأب أو مستأجراً باسمه)، ويُطرد الأب حرفياً إلى الشارع، ليجد نفسه مطالباً بدفع أقساط شقة طُرد منها، دون مراعاة لعدم قدرته المادية على توفير مسكن بديل لنفسه.
الوضع في النظام السعودي وجل القوانين العربية: لا يوجد في نظام الأحوال الشخصية السعودي (الصادر عام 2022) ما يسمى بطرد الرجل من أملاكه الشخصية لمجرد الحضانة. النظام يلزم الأب بدفع “أجرة مسكن” (نفقة سكن نقدرها المحكمة بحسب يسار الأب ودخله)، مما يحفظ كرامة الأب ولا ينتزع منه ملكه العقاري قسراً.
السن القانوني والرعاية المشتركة
الوضع في مصر: تم رفع سن الحضانة قسراً إلى 15 عاماً، متبوعاً بالتخيير، مع نظام رؤية مهين (3 ساعات أسبوعياً في حديقة عامة أو مركز شباب)، دون أي حق للأب في استضافة ولده أو مبيته عنده.
الوضع في النظام السعودي: المادة (126) وما بعدها أكدت أن المعيار المطلق هو “مصلحة المحضون الفضلى”. والأهم من ذلك، أن النظام السعودي أقر الرعاية المشتركة وعاقب الطرف الحاضن إذا منع الطرف الآخر من زيارة المحضون أو مبيته عنده، وجعل “المنع من الزيارة والمبيت” سبباً مسقطاً للحضانة فوراً بقوة القانون.
ثالثاً: المحاكمة الفقهية والشرعية (أحكام المذاهب الأربعة)
إن محاولة جعل الأم مهيمنة بشكل مطلق على الطفل (في التعليم، السفر، الولاية، والمال) وإلغاء دور الأب تماماً، هي مصادمة صريحة لثوابت الشريعة الإسلامية التي يدعي مروجو المشروع عدم مخالفتها:
بطلان نظام الرؤية الحالي واستحقاق “الاستضافة”
حرمان الأب من مبيت ابنه عنده واقتصار الأمر على 3 ساعات هو جريمة شرعية:
من القرآن الكريم: قال تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]. إن حرمان الأب من تربية ابنه، وحرمان الابن من حنان أبيه وأجداده وعائلته، هو عين “الضرار” والمشاقة التي حرمها الله في كتابه.
من السنة النبوية: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الترمذي). وإذا كان التفريق بين الأم وولدها محرماً، فإن التفريق القسري بين الأب وولده يقع في نفس درجة التحريم بالقياس والعلة.
موقف المذاهب الأربعة: لم يقل أحد من الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل) بأن صلة الأب بوالده تُختزل في ساعات روتينية في مكان عام.
عند الحنفية والشافعية: للأب حق الرؤية والتربية والتوجيه، ولا يجوز للحاضنة منعه من القيام بواجبه التربوي.
عند المالكية: للأب الحق في تفقد ولده، وأخذه لبيته ليعلمه الأدب والقرآن وشؤون الحياة، ثم رده للحاضنة ليلاً، وهذا هو التوصيف الفقهي الدقيق لـ “الاستضافة الدورية”.
الولاية على النفس والمال
الشريعة الإسلامية باتفاق المذاهب الأربعة تقسم الأدوار: الأم لها الحضانة (وهي الخدمة، والرعاية، والتربية اليومية)، والأب له الولاية (الولاية على النفس كالتعليم والسفر والتزويج، والولاية على المال).
محاولة سلب الأب ولايته التعليمية والمالية مع إلزامه بالإنفاق المطلق هي معادلة مشوهة تصادم الآية الكريمة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. فالقوامة والولاية مرتبطة بالمسؤولية والإنفاق، والجمع بين سلب الولاية وفرض الإنفاق هو ظلم لا تقره شريعة.
رابعاً: الأطر القانونية والمواثيق الدولية
إذا كان دعاة هذه التعديلات يتذرعون بالقوانين الحديثة والمواثيق الدولية، فإن هذه المواثيق تنقلب عليهم وتدعم رؤية المتضررين:
مفهوم المصلحة الفضلى للطفل (Convention on the Rights of the Child): تنص المادة (9 / الفقرة 3) من اتفاقية حقوق الطفل الدولية (والتي تعد مصر طرفاً موقعاً عليها) على أن: “تحترم الدول الأطراف حق الطفل المنفصل عن أحد والديه أو كليهما في الاحتفاظ بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة منتظمة بكلا الوالدين”.
إن حرمان الطفل من المبيت في بيت أبيه ورؤية أجداده وعمومته هو انتهاك صارخ لهذه الاتفاقية الدولية، فالطفل لا يمكنه بناء “علاقة شخصية منتظمة وطبيعية” في ظل نظام “الرؤية المقيد” المعمول به حالياً.
مخالفة فلسفة الدستور المصري: تنص المادة (10) من الدستور على أن “الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها”. إن القوانين التي تذكي الصراع بين المطلقين، وتحول الأطفال إلى أدوات للضغط المالي والانتقام الشخصي عبر حرمان الطرف الآخر من الرؤية والاستضافة، هي قوانين تهدم تماسك الأسرة وتنتج جيلاً مشوهاً نفسياً وحاقداً على مجتمعه.
أخيرا: إن الأمن المجتمعي يبدأ من استقرار الأسرة وعدالة قوانينها. والرد على كل الادعاءات يكمن في فضح “التدليس الفقهي والقانوني” الذي يمارسه البعض لتمرير أجندات تهدف إلى تفكيك الرابطة الأسرية وإقصاء دور الأب.
إن الاعتراض على مسودات القوانين ليس إرهاباً بل هو أسمى درجات الوطنية والوعي؛ للحفاظ على توازن المجتمع وحماية أطفاله من التشوه النفسي. إننا نطالب بقانون أحوال شخصية عادل ومتوازن، يحمي حق الأم في حضانة كريمة مدعومة بالنفقة، ويحمي حق الأب في الولاية والاستضافة والمشاركة الفعلية في التربية، وفقاً لما نصت عليه الشريعة الإسلامية الغراء وقواعد العدالة الإنسانية والدستورية.





















