في المحلة الكبرى، تلك المدينة التي يعرف أهلها بعضهم بعضاً من وقع الخطى على أرصفتها، وُلد في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1972 صبي لم يكن يدري أن عمره سيمضي موزعاً بين قاعات العرض والمطارات والمدن البعيدة، وأنه سيغادر كل مكان وهو يحمل منه شيئاً ويترك فيه شيئاً. كبر الصبي وحمل شغفه بالحكايات إلى القاهرة، فالتحق بالمعهد العالي للسينما، ثم شد رحاله إلى سان فرانسيسكو ليكمل دراسته، ومنها إلى لوكسمبورغ ليتعلم أسرار الإنتاج. ولعل هذا ما دفعه إلى أن يختار لكتابه الذي صدر عن دار الكرمة عنواناً يشبه سيرة العابرين، شنطة سفر وحيدة، كأنه يعترف بأن المسافر الحقيقي لا يحتاج إلى كثير، وأن ما يستحق أن يُحمل هو ما لا تزنه موازين المطارات ولا تسجله قوائم الأمتعة، من ذكريات وأسئلة وصداقات وأفلام لم تكتمل بعد.
وفي يوم الأحد، أسدل الموت ستاره على هذه الرحلة، فرحل حسام علوان في القاهرة عن أربعة وخمسين عاماً، بعد صراع مع المرض. ومن عرفوه من قرب يدركون أن العمر الذي انقضى، وإن بدا قصيراً بمقاييس السنين، كان مكتظاً بالتجارب والأعمال والصحبة، وأن الرجل الذي غادرنا لم يترك وراءه فراغاً في مكتب أو منصب فحسب، بل ترك ثغرة في دائرة واسعة من الأحبة والزملاء كانوا يجدون عنده أذناً تصغي ورأياً لا يجامل ولا يجرح.
لم تكن البدايات سينمائية بالمعنى الذي نعرفه اليوم، فقد بدأ علوان بكتابة القصة والنقد، وفي عام 1998 نال جائزة الدولة للإبداع وهو في مطلع شبابه، وهي جائزة تعني لمن يحصل عليها اعترافاً مبكراً بأن لديه ما يقوله. غير أن الرجل لم يكتف بالمقعد الذي منحه إياه هذا الاعتراف، فاتجه إلى البحث في الأفلام التسجيلية، ذلك الميدان الذي يحتاج إلى صبر الباحث وعين الشاهد، ثم انتقل إلى الإنتاج، حيث تصبح الفكرة مسؤولية والحلم ميزانية والمشهد جدولاً زمنياً. وبين هذه المحطات كلها حرص على أن يجمع بين ما تعلمه في الجامعات وما اكتسبه من الطرق، فحصل على الماجستير في دراسات السينما من جامعة سان فرانسيسكو، ودرس الإنتاج في مؤسسة الرواد السمع بصريين الأوروبيين التي يقع مقرها في لوكسمبورغ.
وحين نتأمل أسماء الأفلام التي ارتبط بها، نجد أنها لا تشبه بعضها في الشكل، لكنها تتقاسم روحاً واحدة تميل إلى الجرأة وتبتعد عن القوالب الجاهزة. ففي قائمته فيلم علي معزة وإبراهيم للمخرج شريف البنداري، بما فيه من شطحات وحنان غريب، وفيلم ستموت في العشرين للمخرج أمجد أبو العلاء، الذي حمل إلى المهرجانات حكاية نبوءة تطارد طفلاً في قرية سودانية، إلى جانب حاوي وحار جاف صيفاً وزهرة الصبار. هذه أعمال راهنت على أن للجمهور العربي ذائقة أرحب مما يظن أصحاب الحسابات الجاهزة، وأن الحكاية الصادقة تجد طريقها إلى القلوب مهما بدت غريبة في ظاهرها. ومن يقف وراء مثل هذه الأفلام لا يقف عادة في الصدارة، بل يقف في الظل، يحمل عن المخرج همّ التمويل وعن الفيلم عبء الطريق، ثم يصفق في آخر القاعة حين ترتفع الأضواء.
وتبدو تجربته، حين ننظر إليها من بعيد، جزءاً من حكاية أكبر هي حكاية جيل كامل من السينمائيين العرب الذين شقوا طريقهم خارج الأطر المألوفة، وآمنوا بأن الفيلم المستقل ليس تمرداً على الصناعة بل توسيع لها. جيل لم تتح له المنصات الكبيرة ولا الدعم الوفير، فاعتمد على الإصرار والعلاقات الإنسانية والسفر الدائم بين المهرجانات وصناديق الدعم والأسواق، يطرق الأبواب بملف مليء بالأحلام وقلب يخشى أن يُرد. وفي هذا المسار الشاق تتحول الصداقة إلى رأسمال حقيقي، ويغدو الاتفاق على فنجان قهوة أمتن من عقد مكتوب، ويصبح المنتج الذي يؤمن بفيلم قبل أن يراه شريكاً في ولادته لا مجرد ممول له.
ولا يمكن لمن يقف أمام رحيل كهذا أن يتجاوز الحديث عن ذلك الداء اللعين الذي اعتدنا أن نسميه السرطان، والذي يدخل البيوت دون استئذان ويجلس بين أهلها كضيف ثقيل لا يعرف متى يرحل، ثم يرحل وقد أخذ معه أغلى ما فيها. إنه مرض لا يكتفي بأن ينهك الجسد، بل ينهك من حوله أيضاً، فيعلم الأحباب كيف تتحول الأيام إلى انتظار طويل على أبواب المستشفيات، وكيف تصبح نتائج التحاليل أخباراً تحكم على صباح كامل بالفرح أو الوجوم. ويا لقسوته حين يختار من بيننا أكثرنا حركة وأوسعنا أحلاماً، فيطفئ في سنوات قليلة ما بناه صاحبه في عقود، ويترك أصدقاءه يتساءلون عن عدالة التوقيت، وعن الأفلام التي كانت ستولد، والكتب التي كانت ستُكتب، والمهرجانات التي كان سيجلس في صفوفها الأولى. وليس لنا أمام هذا الداء إلا الدعاء لمن غادر بالرحمة، ولمن بقي بالصبر، وللمصابين به بالشفاء العاجل، مع التذكير بأن الكشف المبكر والدعم النفسي والإنساني لا يقلان أهمية عن الدواء.
وإذا كان الإنتاج قد منحه حضوراً في الصناعة، فإن الكتابة منحته حضوراً في النفس. فقد كشف كتابه عن جانب آخر من اهتماماته لا يظهر في سجل الأفلام والجوائز، جانب الرجل الذي يتأمل ويدوّن ويتساءل عن معنى الغربة والتنقل والبحث عن مكان يُشبه المرء. وهذا التنوع ليس ترفاً في سيرة صاحبه، بل هو جوهرها، لأن من يقترب من السينما بوصفها مهنة فحسب سرعان ما يتحول إلى موظف في مصنع الصور، أما من يراها مجالاً مفتوحاً للقراءة والمعرفة والتأمل فيظل طالباً مهما تقدم به العمر. ولهذا بدت تجربته متعددة المسارات، تتقاطع فيها المعرفة مع الإبداع، ويلتقي فيها الباحث الذي يفتش في الأرشيف مع المنتج الذي يفتش عن تمويل، والكاتب الذي يفتش عن جملة تليق بما رأى.
ولم يكن شغفه بالماضي محصوراً في الأفلام والكتب، فقد كان زائراً دائماً لسوق الجمعة وأسواق الأشياء القديمة، يتنقل بين بسطاتها كما يتنقل غيره بين صالات العرض، ويعود منها بما التقطته عينه من صور عتيقة وتحف صغيرة وكتب مستعملة وسجاد حمل على خيوطه أعمار من مروا به. وفي هذا الولع ما يفسر كثيراً من طبعه، فمن يقتني صور الغرباء ويحفظ لها مكاناً في بيته يؤمن بأن لكل أثر حكاية تستحق الإنصات، وبأن ما يلقيه الناس على الأرصفة قد يكون ذاكرة كاملة تنتظر من يلتفت إليها. وكأنه كان يمارس في تلك الأسواق المهنة نفسها التي مارسها في السينما، أن يلتقط ما أُهمل ويعيد إليه معناه.
وربما كان من أجمل ما في سيرته أن القاهرة ظلت مرفأه مهما بعدت به الأسفار، فيها بدأ دراسته وفيها ختم حياته، وبين البدايتين تمدد العالم أمامه ثم عاد يضيق حتى بات غرفة وسريراً وأياماً تُعد بالساعات. وفي هذه العودة الأخيرة معنى يتجاوز الجغرافيا، فكل مسافر ينتظر من الدنيا أن تمنحه في النهاية مكاناً يعرفه ويعرفه أهله، وكل غريب في المهرجانات والعواصم يحن إلى شارع قديم وإلى وجوه ألفها منذ الطفولة. وقد عاد حسام علوان إلى مدينته الكبرى، وتحت سمائها أغمض عينيه، تاركاً لنا أن نتأمل ما تركه من أسئلة وأفلام وصداقات.
وحين اختارت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أن يكون عضواً في لجنة تحكيم مسابقة أسبوع النقاد الدولي خلال دورته التاسعة والثلاثين عام 2017، فإنها لم تكن تمنحه لقباً بقدر ما كانت تعترف بسنوات من القراءة والمشاهدة والمعرفة الدقيقة بتاريخ الفن وراهنه. فالتحكيم ليس رأياً عابراً يُلقى في قاعة مظلمة، بل هو مسؤولية تجاه أفلام صنعها أصحابها بأعمارهم، وتجاه مخرجين شبان ينتظرون كلمة تفتح لهم باباً أو تغلقه. ومن يتصدى لهذه المهمة بروح صادقة يدرك أن الحكم على فيلم هو في النهاية حوار معه، وأن الناقد الجيد هو من يترك للعمل فرصة أن يقول ما عنده قبل أن يقول هو ما عنده.
وفي غياب أمثاله تتضح لنا قيمة ذلك النمط النادر من الناس الذين يعبرون الحدود بين التخصصات بلا ضجيج. فصناعة السينما في عالمنا العربي لا تعاني قلة المواهب بقدر ما تعاني قلة من يربطون بين المواهب والفرص، ومن يملكون الخبرة والثقة معاً، فيعرفون كيف يتحدثون بلغة المخرج ولغة الممول ولغة الناقد في اليوم نفسه. وقد كان حسام علوان من هؤلاء الذين يجيدون الترجمة بين العوالم، يشرح للكاتب حدود الميزانية دون أن يقتل حلمه، ويشرح للممول قيمة الفيلم دون أن يحوله إلى سلعة، ويشرح للجمهور أن الفن الذي لا يشبه ما اعتاده قد يكون هو الأصدق. ولا تقاس قيمة رجل كهذا بعدد العناوين المنسوبة إليه، بل بعدد الأبواب التي فتحها لغيره دون أن يطلب شكراً.
ثمة وجع خاص في أن نودع من لم نحسن توديعه، فنحن في زحمة الأيام نؤجل المكالمة ونؤجل اللقاء ونؤجل كلمة الشكر، ظناً منا أن الوقت أمامنا فسيحاً، ثم يفاجئنا الغياب فنجد أن ما أجلناه صار عبئاً على الصدر. وأحسب أن كثيرين ممن مروا بحسام علوان و أنا منهم في مهرجان أو مقهى أو عمل مشترك يراجعون اليوم تفاصيل لقاءاتهم معه، يستعيدون جملة قالها أو نصيحة أسداها أو ضحكة سبقت حديثاً جاداً، ويكتشفون أن هذه التفاصيل الصغيرة هي ما تبقى حين تنطفئ الأضواء. وهكذا يعلمنا الراحلون في رحيلهم ما لم يعلمونا إياه في حياتهم، أن نقترب من الأحياء أكثر، وأن نقول لهم ما نحبه فيهم قبل أن يصبح الكلام رثاءً، وأن نتذكر أن الأعمال العظيمة تُصنع بأيدٍ بشرية تتعب وتمرض وتحتاج إلى من يسأل عنها.
إن الفقد في مثل هذه الحالات لا يشبه فقد الشخصيات التي تملأ الشاشات ويعرفها الجميع، فهو فقد هادئ كحياة صاحبه، تشعر به الأوساط الضيقة أولاً ثم يتسرب إلى الأوساط الأوسع. سيشعر به المخرج الشاب الذي كان يريد أن يعرض عليه سيناريو لم يكتمل، وسيشعر به الصديق الذي كان يجد عنده مشورة صادقة في القرارات الصعبة، وسيشعر به الطلاب الذين كان يمكن أن يسمعوا منه تجربة امتدت بين القاهرة وسان فرانسيسكو ولوكسمبورغ. وسيبقى مكان كرسيه في القاعة شاغراً لبعض الوقت، ثم يمتلئ بغيره كما تمتلئ الأمكنة دائماً، لكن الذين اعتادوا أن يجدوه هناك سيعرفون أن المكان لن يعود كما كان.
ولعل أصدق ما يمكن أن يقال في وداعه أن السينما، التي أحبها وعمل لها، ليست آلات وشاشات وجوائز، بل ذاكرة جماعية تتشكل من إسهامات عشرات الأشخاص، بعضهم يظهر اسمه في الشارة الأولى وبعضهم يمر في الصفوف الخلفية. وحسام علوان انتمى إلى ذلك الصنف الذي يعرف أن الفيلم لا يصنعه الإنتاج وحده، وأن الكتابة وحدها لا تكفي لفهمه، وأن السينما الحقيقية تولد عند نقطة التقاء الفكرة بالخبرة والعمل. وهذا الدرس، بما فيه من بساطة وعمق، هو ما سيبقى من الرجل لمن عرفوه ولمن لم يعرفوه، لأن الأفلام التي أسهم في خروجها إلى النور ستظل تُعرض في المهرجانات والمنصات والذاكرة، وتُذكر كل من يشاهدها بأن وراءها يداً لم تطلب الأضواء.
رحل إذن صاحب الحقيبة الوحيدة، وبقيت حقائبه الأخرى التي لم تكن مصنوعة من جلد أو قماش، بل من أفلام وأسطر وتجارب وصداقات، تنتقل من يد إلى يد ومن جيل إلى جيل. ولعل أبلغ ما نفعله اليوم أن نشاهد ما أنتجه، ونقرأ ما كتبه، ونحكي لمن لم يعرفه كيف كان رجلاً يجمع بين الشغف والتواضع، وبين المعرفة والرغبة في أن يتعلم أكثر. أما هو، فقد وصل إلى المحطة الأخيرة من رحلته، ونرجو أن تكون محطة سلام بعد طول عناء، وأن يجد فيها من الراحة ما حرمه منه المرض. رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله ومحبيه الصبر، وجعل ما قدمه للثقافة والسينما العربية في ميزان حسناته.



















