في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى مراجعة أوضاع المشروعات العقارية ومعدلات التنفيذ، تبرز آلية الشراكة بين الدولة والمطورين العقاريين كأحد النماذج التي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمطور، خاصة مع اتجاه هيئة المجتمعات العمرانية لتخصيص أراضٍ بنظام الشراكة في مدينة العلمين الجديدة.
وبحسب مسؤول تحدث لـ«الشرق بلومبرغ»، خصصت مصر 7 قطع أراضٍ في مدينة العلمين الجديدة، تتراوح مساحة القطعة الواحدة بين 50 و300 فدان، لعدد من شركات التطوير العقاري بنظام الشراكة، بعد طرح الأراضي للمنافسة وإجراء مفاضلة بين الشركات المتقدمة.
وأوضح المسؤول، أن من بين الشركات الفائزة بالتخصيص «عامر جروب» و«RO للإنشاءات»، فيما بدأت هيئة المجتمعات العمرانية إجراءات تسليم الأراضي للمطورين تمهيدًا لبدء تنفيذ المشروعات.
ومن المقرر، أن تضم الأراضي مشروعات عمرانية متكاملة، إلى جانب أنشطة تجارية وإدارية، في مناطق مرفقة بمدينة العلمين الجديدة، من بينها مواقع داخل المدينة التراثية وأخرى خلف الطريق الساحلي.
وتأتي هذه التحركات في مدينة تعد واحدة من أبرز المدن الجديدة على الساحل الشمالي، حيث تمتد العلمين الجديدة على مساحة تقارب 48 ألف فدان، وتضم أنشطة ومشروعات سكنية وسياحية وتجارية وإدارية وترفيهية.
الشراكة ليست مجرد طريقة لتخصيص الأرض
لكن أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند كونها آلية لتخصيص الأراضي، وإنما تطرح سؤالًا أوسع يتعلق بكيفية إدارة المشروعات العقارية الكبرى خلال المرحلة المقبلة.
فإذا كانت الدولة تعيد بالفعل مراجعة أداء المطورين ومعدلات تنفيذ المشروعات، فإن نظام الشراكة يمكن أن يتحول من مجرد صيغة لتخصيص الأرض إلى نموذج يرتبط فيه حصول المطور على مزايا الأرض بقدرته الفعلية على التنفيذ والالتزام بالبرنامج الزمني.
وهنا تظهر أهمية وجود معايير واضحة قبل إسناد المشروع، لا تقتصر على الملاءة المالية أو العرض المقدم، وإنما تشمل الخبرة التنفيذية، والقدرة على توفير التمويل، وسابقة الأعمال، وحجم الالتزامات القائمة، وقدرة الشركة على إدارة أكثر من مشروع في الوقت نفسه.
من يراقب التدفقات المالية؟
وتفتح الشراكة كذلك ملفًا آخر يتعلق بتدفقات الأموال داخل المشروع بعد طرح الوحدات للبيع،ففي النموذج التقليدي، يدفع العميل مقدمات وأقساطًا وفقًا للعقد، بينما يتحمل المطور مسؤولية تنفيذ المشروع وتمويل احتياجاته المختلفة،أما في ظل التوجه نحو مزيد من الرقابة على المشروعات، فإن السؤال يصبح، هل يمكن ربط التدفقات المالية بمراحل التنفيذ الفعلية؟
وهنا تظهر مقترحات بإنشاء حسابات مصرفية مخصصة للمشروعات، بحيث يتم تحصيل أقساط العملاء داخل حساب المشروع، مع وجود آلية رقابية تتيح صرف الأموال وفق نسب الإنجاز ومراحل التنفيذ، بما يحقق توازنًا بين احتياجات المطور التمويلية وحقوق المشترين.
ولا يعني ذلك بالضرورة فرض نموذج واحد على جميع المشروعات، وإنما طرح آلية تضمن أن تكون حركة الأموال مرتبطة بشكل أكبر بالمشروع الذي تم تحصيلها من أجله.
الأرض أولًا.. أم قدرة المطور على التنفيذ؟
ومن أبرز الملفات التي تفرض نفسها أيضًا مسألة توقيت طرح الوحدات للبيع، فكلما بدأ المطور البيع في مرحلة مبكرة من المشروع، ارتفعت أهمية وجود ضوابط واضحة بشأن الموقف القانوني للأرض، والتراخيص والموافقات، ومصادر تمويل التنفيذ، والبرنامج الزمني، وآليات حماية أموال العملاء.
وبالتالي، فإن المراجعة الجديدة لسوق التطوير العقاري قد تفتح الباب أمام إعادة النظر في قاعدة أساسية: لا بيع قبل اكتمال الموقف القانوني والتنفيذي والتمويلي اللازم للمشروع وفق ضوابط محددة وواضحة.
المواطن.. الحلقة الأهم في معادلة الشراكة
ورغم أن الشراكة تتم بين الدولة والمطور، فإن نتائجها تمتد في النهاية إلى المواطن الذي يشتري الوحدة.
ومن هنا، فإن نجاح أي نموذج جديد لا يجب أن يقاس فقط بحجم الأراضي التي تم تخصيصها أو قيمة العوائد التي تحققها الدولة، وإنما أيضا بقدرة المشروعات على الالتزام بمواعيد التنفيذ والتسليم والمواصفات المتعاقد عليها.
ويطالب متعاملون في السوق، بأن تتضمن المرحلة المقبلة عقودًا أكثر توازنًا، وضوابط واضحة للإعلانات والبيع، وآليات للتعامل مع تأخر التسليم أو تغيير المواصفات، بما يحول دون انتقال مخاطر تعثر المشروع بالكامل إلى المشتري.
مراجعة المشروعات.. من العقوبة إلى الوقاية
الرسالة الأهم من مراجعة المشروعات العقارية ليست فقط اكتشاف الشركات المتعثرة بعد وقوع المشكلة، وإنما منع تكرار المشكلة من الأساس.
وهنا يمكن أن تلعب الشراكة دورًا مختلفًا؛ فالدولة التي تمتلك الأرض وتشارك في المشروع تستطيع، وفق النموذج والقواعد المعمول بها، أن تربط مصالحها بمراحل التنفيذ، وتضع مؤشرات أداء واضحة، وتتابع المشروع منذ بدايته بدلًا من انتظار ظهور التعثر.
وفي المقابل، يحصل المطور الجاد على فرصة لتنفيذ مشروعات كبيرة والاستفادة من الأرض دون أن تتحول عملية التخصيص إلى مجرد نهاية لإجراءات المنافسة، بل إلى بداية لمنظومة متابعة مستمرة.
هل تتغير فلسفة السوق؟
تخصيص 7 قطع أراضٍ في العلمين الجديدة بنظام الشراكة قد يبدو في ظاهره خبرًا عن أراضٍ ومشروعات جديدة، لكنه في سياق مراجعة أداء السوق العقارية يطرح سؤالًا أكبر:
هل تتجه الدولة من نموذج «تخصيص الأرض ثم متابعة المشروع» إلى نموذج تكون فيه قدرة المطور على التنفيذ والتدفقات المالية ونسب الإنجاز جزءًا أساسيًا من العلاقة منذ اليوم الأول؟
إذا حدث ذلك، فإن الشراكة لن تكون مجرد وسيلة للحصول على الأرض، وإنما قد تصبح أداة لضبط دورة المشروع بالكامل، من تخصيص الأرض، مرورًا بالتمويل والبيع والتنفيذ، وصولًا إلى التسليم.
وفي النهاية، يبقى نجاح هذا التوجه مرهونًا بوجود قواعد واضحة وشفافة تحقق التوازن بين ثلاثة أطراف: الدولة التي تمتلك الأرض، والمطور الذي يتحمل مسؤولية التنفيذ، والمواطن الذي يدفع ثمن الوحدة وينتظر الحصول عليها في الموعد والمواصفات المتفق عليها.
اقرا ايضا: أحمد صقر يطرح آلية لتمويل المشروعات العقارية المتأخرة عبر الصناديق وحسابات الضمان





















