تُعد اضطرابات الأكل واحدة من أكثر المشكلات النفسية تعقيدًا وانتشارًا على مستوى العالم، ورغم ذلك غالبًا ما تمر في صمت دون وعي كافٍ بخطورتها، وتشير مراجعة علمية منشورة عبر JAMA Network إلى أن هذه الاضطرابات لا تتعلق فقط بالعادات الغذائية، بل تمثل خللًا نفسيًا وسلوكيًا متكاملًا يؤثر على الجسم والعقل معًا، وقد يمتد أثره إلى تهديد الحياة في بعض الحالات.

اضطرابات الأكل ليست “سلوكًا غذائيًا” بل اضطراب نفسي شامل
وبحسب الخلاصة العلمية للدراسة، فإن اضطرابات الأكل تنتشر عالميًا بنسبة تتراوح بين 2% و5% خلال الحياة، مع ملاحظة أن الإناث أكثر عرضة للإصابة مقارنة بالذكور، كما ترتبط هذه الاضطرابات بانخفاض جودة الحياة بشكل عام، وضعف الأداء اليومي، إضافة إلى مضاعفات طبية ونفسية معقدة.
توضح مراجعة JAMA Network أن اضطرابات الأكل تشمل عدة أنواع رئيسية، من بينها فقدان الشهية العصبي، والشره المرضي العصبي، واضطراب نهم الطعام، بالإضافة إلى اضطراب تجنب أو تقييد تناول الطعام. وكل نوع من هذه الاضطرابات يحمل نمطًا مختلفًا من العلاقة المضطربة مع الطعام، لكنه يشترك في كونه ناتجًا عن اضطراب نفسي عميق وليس مجرد اختيار غذائي.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الحالات قد تؤدي إلى تغييرات خطيرة في الوزن، واضطرابات في توازن الأملاح داخل الجسم مثل انخفاض الصوديوم أو البوتاسيوم، إضافة إلى بطء في ضربات القلب، واضطرابات في الهرمونات التناسلية، وانخفاض كثافة العظام، وهو ما يعكس أن تأثير المرض يمتد إلى وظائف الجسم الحيوية بشكل مباشر.

ارتباط وثيق بالاكتئاب وخطر الانتحار
من الجوانب الأكثر خطورة التي رصدتها المراجعة العلمية هو الارتباط القوي بين اضطرابات الأكل والاضطرابات النفسية الأخرى، خاصة الاكتئاب والقلق.
وتشير البيانات إلى أن نسب الإصابة بالاكتئاب مدى الحياة مرتفعة بشكل ملحوظ بين المصابين بهذه الاضطرابات، حيث تصل إلى 76.3% في الشره المرضي العصبي، و65.5% في اضطراب نهم الطعام، و49.5% في فقدان الشهية العصبي.
كما تُظهر النتائج أن معدلات محاولات الانتحار أعلى لدى المصابين باضطرابات الأكل مقارنة بغير المصابين، وهو ما يعكس حجم الضغط النفسي المصاحب لهذه الحالات، ومدى تعقيدها من الناحية العلاجية.
وتلفت الدراسة كذلك إلى أن فقدان الشهية العصبي يرتبط بمعدل وفيات مرتفع يصل إلى 5.1 حالة وفاة لكل 1000 شخص سنويًا، وهو معدل يقارب ستة أضعاف المعدل في نفس الفئة العمرية غير المصابة، مع الإشارة إلى أن ربع هذه الوفيات تقريبًا يرتبط بالانتحار.
الأكل العاطفي: عندما يتحول الطعام إلى وسيلة للهروب
لا تقتصر اضطرابات الأكل على فقدان الشهية أو الشره المرضي فقط، بل تمتد لتشمل ما يُعرف باضطراب نهم الطعام، حيث يلجأ الفرد إلى تناول كميات كبيرة من الطعام بشكل قهري، غالبًا كاستجابة لمشاعر القلق أو التوتر أو الحزن، وليس نتيجة الجوع الفعلي.

وتوضح الدراسات أن هذا النمط من “الأكل العاطفي” يرتبط بدائرة نفسية معقدة، حيث يستخدم الطعام كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية، مما يؤدي لاحقًا إلى شعور بالذنب أو فقدان السيطرة، وبالتالي استمرار الدورة المرضية.
تشير مراجعة JAMA Network إلى أن علاج اضطرابات الأكل يتطلب نهجًا متعدد الجوانب، يجمع بين الدعم الغذائي والعلاج النفسي، وأحيانًا التدخل الدوائي. ويُعد العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب فعالية، خاصة في حالات الشره المرضي واضطراب نهم الطعام.
كما توضح النتائج أن العلاج الأسري يلعب دورًا مهمًا لدى المراهقين المصابين بفقدان الشهية العصبي، حيث يعتمد على إشراف الأسرة على النظام الغذائي، وقد أظهر معدلات تعافٍ أعلى مقارنة بالعلاج الفردي.
أما من الناحية الدوائية، فقد أظهرت بعض مضادات الاكتئاب فعالية في تقليل نوبات الشره في حالات معينة، بالإضافة إلى أدوية منشطة للجهاز العصبي أثبتت تأثيرًا متوسطًا في تقليل نوبات الأكل القهري، ومع ذلك، تؤكد الدراسة أنه لا توجد حتى الآن أدوية فعالة بشكل مباشر لعلاج فقدان الشهية العصبي.
نرشح لك: حبس سيد مشاغب 4 أيام على ذمة التحقيقات في واقعة تعطيل حركة المرور





















