أطلق الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية صرخة تحذير علمية حول التأثيرات الخطيرة والعميقة التي توغل فيها الأعمال الدرامية المعاصرة في نفوس المشاهدين مؤكداً أن المنظومة الفنية انحرفت عن دورها التقليدي لتتحول إلى أداة تساهم في تشويه الوعي المجتمعي وإعادة إنتاج السلوك الإجرامي.
من محاكاة الواقع إلى ابتكار الجريمة
وأوضح الدكتور هندي في تصريحاته أن الفن في فترات سابقة كان ينطلق من الواقع حيث كان يستوحي قصصه من الجرائم الحقيقية التي تقع بالفعل داخل المجتمع ليصيغها في قالب درامي يعبر عنها، مستشهداً بفيلم “المرأة والساطور” كنموذج لتلك الحقبة.
في المقابل أعرب استشاري الصحة النفسية عن أسفه لظهور ما أسماه بـ “الدراما السوداء” في الآونة الأخيرة إذ لم يعد الفن ناقلاً للواقع بل أصبح مبتكراً لجرائم مستحدثة وغير مألوفة، متفنناً ومجوداً في طريقة عرضها وتقديمها للجمهور.
التشريح النفسي والفسيولوجي لتأثير مشاهد العنف
كشف د. وليد هندي عن الآلية العلمية التي تتبدل من خلالها استجابة الإنسان النفسية والجسدية نتيجة التعرض المستمر لهذه المشاهد، مجملاً إياها في النقاط التالية:
- الإغراق الحسي والبصري: يؤدي التعرض الكثيف لأشكال العنف المبتكرة إلى تشبع الوجدان الإنساني بها، مما ينتج عنه إصابة المشاهدين بـ “التبلد العاطفي”.
- تآكل حساسية الدماغ: يفقد الدماغ بالتدريج خطوط دفاعه الحساسة تجاه مشاهد القتل والدماء مما يسبب تشوشاً في الفكر العام وغياباً للمفاهيم المرتبطة بالاحترام المتبادل والسلامة النفسية.
- موت الاستجابة الفسيولوجية: غابت المؤشرات الجسدية الطبيعية التي كانت تصاحب الخوف أو رؤية العنف، فلم يعد يعاني المشاهد من تسارع ضربات القلب أو التوتر العصبي عند رؤية المناظر القاسية.
آلية “المحاكاة الداخلية” وإعادة إنتاج السلوك
وعن خطورة التفاعل اللاشعوري مع الشاشة أشار استشاري الصحة النفسية إلى أن عقلك لا يكتفي بمجرد المشاهدة السلبية، بل يقوم بعملية “محاكاة داخلية” للأحداث، هذه المحاكاة تتحول مع الوقت والتكرار إلى نوع من التدريب السلوكي المنظم على الجريمة.
ونتيجة لهذا الشحن البصري بات البعض يمارس السلوك الإجرامي في الواقع بدم بارد وتبلد حسي تام دون أن يطرف له جفن أو يهتز له ضمير ودون أي استجابة إنسانية لصراخ الضحايا أو أنين المستضعفين، مدفوعين بحالة الأمان الوهمي وغير مدركين للعواقب الوخيمة لما يقترفونه.





















