ألقى الأخصائي النفسي محمد البنا الضوء على مفهوم علمي غاية في الأهمية يعرف باسم “الطب النفسي الجسدي” (Psychosomatic Medicine) موضحاً من خلال تسجيل صلي تفاصيل خطيرة حول الأثر البالغ والمباشر الذي تحدِثه الحالة النفسية على الجسد وتحفيز الأمراض العضوية المختلفة.
المنشأ النفسي للأمراض العضوية المستعصية
أكد البنا أن الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة صدمت الكثيرين بعدما كشفت أن نسبة تتراوح بين 70% إلى 80% من المشكلات والأمراض العضوية التي يعاني منها البشر تعود في الأساس إلى منشأ وأسباب نفسية بحتة.
وأشار إلى معضلة متكررة داخل العيادات؛ حيث يشتكي المرضى من أعراض مزمنة ترتبط بـ:
- اضطرابات ضغط الدم والسكري.
- مشكلات المخ والأمراض الجلدية المتنوعة.
- آلام العظام والأسنان.
- أعراض الجهاز الهضمي والباطني وعلى رأسها “القولون العصبي”.
واللافت للنظر أن المريض عندما يخضع للفحوصات المخبرية والتحاليل الطبية تظهر النتائج سليمة تماماً من الناحية العضوية؛ وهنا يتدخل الطبيب المعالج بالسؤال الجوهري عن مدى تعرّض المريض للقلق أو الضغوط النفسية ليتم توجيهه مباشرة إلى منظومة العلاج النفسي.
كيف يدمر “الرعب والخوف” الخلايا المناعية؟
ساق الأخصائي النفسي دليلاً واضحاً برز جلياً خلال فترة تفشي جائحة كورونا (كوفيد) حيث ثبت علمياً أن استمرار مشاعر الخوف والقلق، والذعر والعيش في رعب مستمر، يتسبب بشكل مباشر في تدمير خلايا المناعة وإضعاف دفاعات الجسم الطبيعية، هذا الانهيار المناعي يمنح الفيروسات قوة تأثير مضاعفة لمهاجمة الأجسام ويجعل الإنسان أكثر عرضة للإصابة والانتكاس.
السرطان والحالة النفسية: أرقام وحقائق صادمة
كشف البنا عن وجود ارتباط وثيق أكدته الأبحاث بين الحالة النفسية للمريض والإصابة بمرض السرطان واستعرض دراسات مقارنة أجريت على مجموعتين من مرضى الأورام:
- المجموعة الأولى (المدعومة نفسياً): المرضى الذين حظوا بدعم اجتماعي ونفسي قوي، ظهرت حالتهم العضوية بشكل أفضل واستطاعوا البقاء على قيد الحياة لفترات أطول وصلت لمتوسط 20 عاماً بعد التشخيص.
- المجموعة الثانية (المحرومة من الدعم): عانت من تدهور عضوي متسارع وزيادة شرسة في انتشار المرض نتيجة غياب السند النفسي، مما قلص متوسط أعمارهم إلى 10 سنوات أو أقل.
وتطرق إلى توجه المستشفيات في أمريكا وأوروبا حالياً لتوظيف “مهرج” يرافق المرضى داخل الأقسام الحرج لإيمانهم العميق بفكرة “العلاج بالضحك” كدعم نفسي حاسم. واختتم هذا المحور بأن النفسية المستقرة قد تقي من السرطان بينما النفسية السيئة تعد أحد المسببات الرئيسية له.
الانفصال المجتمعي في المدن المليونية
بالمقارنة بين الماضي والحاضر أوضح البنا أن المجتمع قديماً لم يكن يلتفت للعلاج النفسي لقلة الوعي لكن غياب هذا الوعي كان يعوضه “الدعم الاجتماعي التلقائي” المتمثل في الروابط الأسرية القوية، تلاحم الجيران والأصدقاء، والبيوت المفتوحة.
هذا النموذج الحامي لا يزال متواجداً إلى حد ما في مجتمعات البدو، الأرياف، وصعيد مصر. في المقابل شهدت المدن المليونية الصاخبة مثل (القاهرة، الإسكندرية، المنيا، وأسيوط) تراجعاً حاداً في هذه الروابط بسبب حدوث “انفصال اجتماعي” حاد وهو ما فاقم من حجم الأزمات والمشكلات النفسية لدى سكانها.
التكامل العلاجي: جسد وعقل
أشاد المتحدث بالوعي الحالي لدى أطباء الأورام والذين باتوا يدرجون جلسات الإرشاد والعلاج النفسي كبروتوكول رسمي وإلزامي يسير بالتوازي مع العلاج الكيميائي والإشعاعي لضمان تحجيم الأورام.
وشبه البنا في ختام حديثه المريض بـ “السيارة” فهي تحتاج إلى تكامل عنصري “الميكانيكا” و”الكهرباء” معاً لكي تتمكن من الحركة وإذا تعطل أحدهما فلن تسير المركبة أبداً وهو تماماً حال العلاج العضوي والنفسي اللذين لا غنى لأحدهما عن الآخر.
نرشح لك.. قفزة علمية في الصين.. جهاز محمول يكتشف السرطان بدقة فائقة من قطرة دم واحدة





















