مع نهاية الإجازة الصيفية وقبل أن يهل علينا موسم العام الدراسي الجديد، تبدأ كالعادة كواليس الاستعدادات والترتيبات التي يعرفها كل بيت في مصر: شراء المستلزمات، تنظيم المواعيد، والتفكير في مستقبل الأبناء التعليمي.
لكن مع استنزاف طاقة البدايات، تطل علينا سنوياً نفس المشاهد والأزمات المزمنة التي لا تنتهي، وأبرزها وأكثرها استنزافاً لأعصاب الأمهات خلال فترة التحويلات ونقل الملفات: أزمة الولاية التعليمية.
تبدأ تفاصيل اليوم الدراسي والعلاجي لطفلك منذ اللحظة الأولى بجهد خالص ومستمر من جهتك؛ فأنتِ من تذاكرين، وتحفزين، وتنسقين التمارين، وتطعمين وتسقين، وتدعمين وتساعدين، وربما تضحين بوقتك ومجهودك بل وتتحملين العبء المادي كاملاً.
لكن ما إن يحين موعد إجراء قانوني بسيط في فترة الصيف مثل نقل ملف الطفل من مدرسة لأخرى استعداداً للعام الجديد، حتى تصطدمين بجدار سميك من القيود التي تلخص المشهد كله في نظرة استخفاف وجملة مستفزة ومتكررة: “هاتي الراجل اللي في عيلتك!”
أنتِ تذهبين وتجيئين، تركضين بين المصالح الحكومية طوال العام، وتتحملين المسؤولية كاملة بمفردك؛ وحين تصلين إلى “اللقطة الأخيرة” (لحظة الختم أو التوقيع الرسمي)، وتخبرينهم بأن الأب مسافر أو غير موجود، يأتي الرد بكل برود: “خلاص.. هاتي العم، أو أي راجل في العيلة يقص الشريط!”.
كأن دورك طوال الـ 365 يوماً هو مجرد تمهيد للملعب، ويأتي الرجل في الدقيقة الأخيرة ليضع توقيعه وكأن هو من صنع الإنجاز.
هذا القهر الإداري ليس مجرد موقف عابر، بل رأيناه مجسداً بكل مرارة في فيديو تداولته الأمهات مؤخراً لأم كانت منهارة في بكاء هستيري قهرًا من تعنت الروتين، بعد أن أغلقت الأبواب في وجهها لمجرد غياب “الرجل”، وكأن الأم في نظر القانون كائن ناقص أهلية رغم أنها تقف وحدها في الميدان تضحي بأعصابها وصحتها لأجل طفلها.
الوصاية مقابل الولاية: فجوة الواقع وقوانين الزمن القديم
في الواقع اليومي، “الولاية الفعلية” والرعاية اليومية” تقعان بنسبة 100% على عاتق الأم. فالأمهات اليوم لسن كالأمس؛ فقد تغير الزمن وتطورت الحياة بشكل جذري. في الماضي، ربما كانت ظروف المرأة ومستواها التعليمي وانفتاحها على العالم مختلفة، فجاءت القوانين متأسسة على ذلك الوضع العام السائد وقتها.
أما اليوم فالمرأة متعلمة، مثقفة، واعية، وفاعلة أساسية في المجتمع، وهي التي تملك زمام الأمور بحق في تربية أجيال المستقبل. ومع ذلك، ما زالت القوانين الجامدة تقف حجر عثرة أمام الأم متسائلة: “فين الراجل اللي هياخد الخطوة دي؟”.
إذا غاب الأب أو تعذر وجوده، تنتقل الولاية فوراً إلى العصب من الرجال (كالعم أو الجد)، متجاوزةً تماماً الأم التي تقضي ساعات اليوم بأكمله في خدمة هذا الطفل ورعايته. هذا الوضع يخلق تناقضاً عبثياً لا يمكن قبوله في القرن الواحد والعشرين:
حين يتعلق الأمر بالتعب، والمصاريف، والسهر، والمتابعة اليومية: فأنتِ لستِ فقط المؤهلة، بل الوحيدة القادرة.
حين يتعلق الأمر بتوقيع ورقة أو نقل ملف: يتحول دورك إلى مجرد شخص معطل بحجة غياب “الرجل”، وكأن الأبوة أو المسؤولية تُقاس بالأوراق لا بالجهد والتضحية.
نظرة المجتمع والمؤسسات: عقلية تجاوزها الزمن
حين تذهب الأم وحدها خلال فترة التحويلات الصيفية لإنهاء إجراء يخص طفلها، فإنها تواجه ثقافة إدارية ومجتمعية متجذرة تفترض ضمنيا أن وجود الرجل هو الضمانة القانونية الوحيدة، متجاهلة تماما حقيقة أن الأم هي الأحرص على مصلحة طفلها والأدرى بتفاصيل حياته.
لماذا يُعامل الوجود الذكوري في الأوراق كشرط أساسي لإثبات الجدية، بينما تقف الأم وحدها في الميدان طوال العام الدراسي تضحي بوقتها ومجهودها وأعصابها؟
نظرة شاملة لقوانين الأسرة والطفل: التكنولوجيا متقدمة… والقوانين محلك سر!
إن ما نعيشه اليوم من تفاصيل حياتية ومسؤوليات ملقاة على عاتق الأمهات يؤكد أن المشكلة أكبر بكثير من مجرد ورقة مدرسية معطلة؛ إننا بحاجة ماسة إلى نظرة شاملة وعميقة في قوانين الأسرة والطفل بأكملها، لتعديلها بما يواكب العصر الحديث وعقلية الناس ووعيهم الآن.
فالأمر الأكثر سخرية اليوم، هو أننا نعيش في عصر الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي (AI)، حيث أصبحت منصات الدولة والخدمات الرقمية تنجز أعقد المهام والتعاملات بـ “ضغطة زر”! فكيف يُعقل أن تتوفر لدينا أحدث الأنظمة التكنولوجية لتسهيل كل مناحي الحياة، بينما تظل الأم تقف عاجزة في طوابير الإدارات والمدارس لمجرد أنها “أنثى” لا تملك توكيلًا، ويُطلب منها البحث عن رجل ليأذن لها بنقل ملف طفلها؟!
إن تحديث التشريعات لم يعد رفاهية، ونلخص مطالبنا في الآتي:
الاعتراف بالواقع وعقلية العصر: الأم اليوم هي المدبرة والمربية والداعمة مادياً ومعنوياً، ووعي المجتمع وعقلية الناس اليوم يرفضان تماماً تهميش دورها الإداري والقانوني.
تسخير التكنولوجيا لخدمة الأسرة: يجب أن تتسق النظم الإدارية مع ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بحيث تُيسر إجراءات التحويل والنقل للأمهات رقمياً وبضغطة زر وبدون تعقيدات عتيقة.
تحديث تشريعات الولاية التعليمية: يجب أن تصبح الأم طبيعيّاً هي صاحبة الولاية التعليمية دون الحاجة لتفويض أو تنازل أو استصدار أحكام قضائية شاقة تستهلك طاقة الأم ومواردها.
إلى أن يتم الاستجابة لهذا النداء وتحديث المنظومة التشريعية والتكنولوجية لتتناسب مع روح القرن الحادي والعشرين، ستظل كل أم تقف مع كل صيف واستعداد لدراسة جديدة أمام مكاتب المدارس تحمل على عاتقها مستقبل طفلها وحدها، في انتظار تشريع منصف يقدر تضحياتها ويضع الأمور في نصابها الصحيح.




















