تعرض الدراما التلفزيونية هذا الموسم مسلسل «أب.. ولكن»، الذي تدور أحداثه حول صراع مرير بين أب وأم بعد الطلاق. غير أن العمل لا يطرح مجرد حكاية درامية، بل يفتح بابًا واسعًا لنقاش قضية اجتماعية وقانونية شديدة الحساسية: علاقة الأبناء بوالديهم بعد الانفصال.
حماية مصلحة الأبناء
في المسلسل تظهر الأم متسلطة تحاول الانتقام من طليقها بحرمانه من رؤية ابنته، وعندما حاول الأب أن يراها دون علمها، ذهب إلى مدرستها واصطحبها لبعض الوقت، لتتهمه الأم فورًا باختطافها، وهنا يتدخل المحامي ليحوّل القانون إلى أداة ضغط وتعقيد، مستغلًا بعض الثغرات القانونية لإطالة النزاع.
لكن الضحية الحقيقية في هذه القصة ليس الأب أو الأم فقط، بل الطفلة نفسها.
طفلة تحب والدها وتحتاج إلى حضوره في حياتها، ترغب في اللعب معه وقضاء وقت طبيعي في حضنه وعطفه، ومع حرمانها من هذا الحق تدخل في حالة من الحزن والاضطراب، نتيجة صراع تُدفع ثمنه دون ذنب.
في المقابل، يتحول الأب إلى إنسان يطارده الألم والحرمان، بعدما أصبحت حياته سلسلة من المعارك القانونية مع الأم ومحاميها، بدل أن تكون علاقته بابنته مساحة طبيعية من الحب والاحتواء.
هذه الدراما، رغم كونها عملًا فنيًا، تعكس واقعًا يعيشه كثير من الأسر في مصر، فالقوانين الحالية المنظمة للأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق بالرؤية، تتحول أحيانًا إلى مصدر جديد للصراع بدل أن تكون إطارًا لتحقيق التوازن وحماية مصلحة الأطفال.
إقرار حق كل طرف
على غير المعتاد في كثير من الحكايات الشائعة، يظهر الأب هنا بوصفه الطرف المظلوم، غير أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانحياز لطرف ضد آخر، بل على إقرار حق كل إنسان في العدل والرحمة، فالعلاقة بين الأبناء ووالديهم لا ينبغي أن تُدار بروح الانتقام أو تصفية الحسابات، بل بمنطق يحفظ حقوق الجميع ويضع مصلحة الطفل الفضلى فوق أي اعتبار.
فالإنصاف لا ينتقص من حق الأم، كما لا يجوز أن يُهدر حق الأب؛ لأن كليهما يشكلان معًا عالم الطفل وأمانه العاطفي.
قانون الأحوال الشخصية
من هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية، خاصة المشروع الذي قُدّم قبل سنوات إلى مجلس النواب من عدد من المؤسسات النسوية والحقوقية تحت عنوان «قانون عادل للأسرة المصرية»، وهو اسم يعكس فلسفة هذا المقترح: تحقيق العدالة بين الطرفين، ووضع المصلحة الفضلى للأبناء في صدارة الاعتبار.
ويطرح هذا المشروع عددًا من الحلول العملية، من بينها تنظيم العلاقة بين الوالدين بعد الطلاق بما يقلل النزاعات، ويضمن للأبناء بيئة نفسية أكثر استقرارًا.
فالطفل ليس طرفًا في الصراع، ولا ينبغي أن يتحول القانون إلى وسيلة للانتقام بين الأبوين. ومن حقه أن يعيش علاقة طبيعية ومتوازنة مع والده ووالدته معًا، حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية، بما في ذلك حق الأب في استضافة أطفاله في إطار قانوني منظم.
سرعة إجراءات التقاضي
تظل سرعة البت في قضايا الأسرة ضرورة ملحّة. فإطالة أمد النزاعات لا يرهق الأطراف المتنازعة فحسب، بل يدفع الأبناء الثمن الأكبر نفسيًا واجتماعيًا، فالعدالة المتأخرة كثيرًا ما تتحول إلى ظلم، لذلك يصبح حسم قضايا النفقة والتمكين والاستضافة في وقت عادل وسريع خطوة أساسية لحماية استقرار الأطفال وتقليل مساحات الصراع بين الوالدين.
كما يجب الانتباه إلى ظروف وأماكن انتظار الأطفال أثناء جلسات التقاضي، حيث يضطر كثير منهم إلى الانتظار في بيئات غير مناسبة أو غير صحية، بما قد يؤثر في حالتهم النفسية.
إصلاح تشريعي حقيقي
إن ما تطرحه الدراما اليوم يجب أن يدفعنا إلى التفكير بجدية في إصلاح تشريعي حقيقي، فإصدار قانون عادل للأحوال الشخصية لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة اجتماعية لحماية الأطفال من أن يكونوا ضحايا لصراعات الكبار.
فالعدالة داخل الأسرة ليست ترفًا تشريعيًا، بل هي أساس الاستقرار المجتمعي، وضمانة لمستقبل أجيال كاملة.






















