لم تعد المآسي التي نسمع عنها مجرد حوادث عابرة، بل صارت جرس إنذار يدق بعنف في ضمير المجتمع. قصة الأم في كرموز، التي أنهكها السرطان حتى تفشى في جسدها، ثم تُركت وحدها تواجه المرض والفقر والمسؤولية، ليست مجرد واقعة مؤلمة، بل شهادة قاسية على ما آل إليه حالنا من تفكك وتراجع إنساني.
ستة أطفال كانوا أمانة في عنق أب اختار أن يتخلى، رغم قدرته المادية، فتركهم لمصيرهم، وامتنع حتى عن إرسال ما يسد جوعهم أو يخفف معاناتهم. أمٌّ تواجه المرض، والفقر، والوحدة، وانقطاع السند، حتى ضاقت بها السبل، فانهارت في لحظة مأساوية دفعتها إلى إنهاء حياتها وحياة أطفالها، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه ذروة الألم واليأس. لكن، هل الجاني واحد؟
الأب هو المسؤول الأول بلا شك، لكنه ليس الوحيد. فثمة دوائر من المسؤولية تتسع لتشمل كل من كان قادرًا على التدخل ولم يفعل. أسرة تخلّت، وجيران لم يسألوا، ومجتمع غابت عنه روح التكافل، ومنظومة صحية قد تعجز عن احتواء مريض لا يملك ثمن العلاج. كل هؤلاء، بدرجات متفاوتة، شركاء في صناعة هذه النهاية المأساوية.
لقد كنا نعرف زمنًا آخر؛ زمنًا كان فيه السؤال عن الجار واجبًا، والتواصل بين الأقارب عادة يومية، والقلوب أقرب رغم قلة الإمكانيات. كانت الزيارات لا تنقطع، والهواتف الأرضية تحمل صوت الاطمئنان، وكانت العلاقات الإنسانية أكثر دفئًا وصدقًا.
اليوم رغم وجود إمكانيات تواصل أسهل من أي وقت مضى، لكن الاهتمام الحقيقي تراجع. انشغل كثيرون بالترندات، وبمتابعة تفاصيل حياة الآخرين بدافع الفضول أو التشهير، بينما غابت أعينهم عن معاناة حقيقية تدور على بُعد خطوات منهم. أصبحنا نرى، ولا نبصر؛ نسمع، ولا ننصت.
هذه القصة تفرض علينا سؤالًا صريحًا: متى فقدنا إنسانيتنا؟ ومتى أصبح الألم الصامت غير مرئي إلى هذا الحد؟ إن ما حدث ليس مجرد مأساة أسرية، بل فشل جماعي يستدعي مراجعة حقيقية. نحن بحاجة إلى إعادة إحياء قيم التكافل، وإلى سياسات أكثر عدلًا في الرعاية الصحية والاجتماعية، وإلى وعي مجتمعي لا يترك المريض أو المحتاج وحيدًا في مواجهة مصيره.
ربما لا نستطيع إعادة من فقدناهم، لكن يمكننا أن نمنع تكرار المأساة. بأن نسأل، ونقترب، ونمد يد العون قبل أن تتحول المعاناة إلى كارثة.
فالإنسان لا يموت فقط بالمرض أو الفقر… بل قد يقتله الإهمال، التخلي.






















