نشأتُ طفلة في منطقة الحديد والصلب، ابنة لأحد عمالها، أتعامل مع المصنع كأنه حبيبتي، وأتحدث عنه بفخرٍ وحب وانتماء، كنتُ أذهب إلى المدرسة في السابعة صباحًا، فأجد عمال المصنع يوزعون المنشورات التي تنادي بإصلاح حال البلاد والعباد، بدءًا من بيئة العمل وحتى رأس النظام.
تشكل وجداني على قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، دخلتُ كلية الحقوق إيمانًا مني بأن رسالة المحاماة هي نقطة الانطلاق نحو ما أؤمن به، مررتُ بما مر به جيلي كله من هذا الحلم الذي يداعب آمالنا ويُطيب آلامنا.
لتأتي يناير بنُبلها ونقائها، فتُبلور حلم الطفولة بخطوة على طريق الحرية والعدالة الاجتماعية، فكانت ليلة 25 يناير في نقابة المحامين، اعتصمنا بالنقابة من الليلة السابقة، وقضينا ليلتنا في جمعٍ كبير من الوطنيين المصريين، نتجاذب أطراف الحوار؛ ندخل في نقاشٍ جاد تارة، وفي مباراة للشعر ورباعيات جاهين تارة أخرى.
ودار جدل بيننا وبين جماعة الإخوان المسلمين وأحد أعضاء المجلس من الجماعات الإسلامية، رافضين وجود الاعتصام في النقابة من الأساس، إلا أن جماعة المحامين الناصريين والزملاء الاشتراكيين كان لهم كلمة الفصل في الاعتصام، معضدين موقفنا الأمين خالد أبو كريشة، عضو مجلس النقابة، رحمه الله عليه.
فكان من الأساتذة، على سبيل المثال لا الحصر: إبراهيم فكري، وسيد فتحي، وحمدي الأسيوطي، وسيد عبد الغني، رحمهم الله وغفر لهم، وأيضًا أحمد حسن، وياسر سعد، وحسن مغربي، وعلي سليمان، وحسن سليمان، وفاطمة الزهراء غنيم، ونسمة يوسف.
بتنا ليلتنا في حب أم الدنيا المحروسة، وفي الصباح تجمعت الجماهير من كل حدبٍ وصوب، وترافقنا جميعًا إلى ميدان التحرير مع أبو العز الحريري، وإيمان عوف، وكمال خليل.
وكنا جميعًا لا نتخيل أننا فعليًا بصدد ثورة عظيمة، وتنقلنا من ميدانٍ إلى ميدان من ميادين وسط البلد، حتى مكثنا في ميدان التحرير، إلى أن جاءت لحظة فضّ الميدان مساءً.
توجهنا حينها إلى نقابة المحامين، قلعة الحريات، مرةً أخرى، لتنشأ بها أول مستشفى ميداني.






















