تقرير- محمد حليم
دخل الاقتصاد العالمي “منطقة الخطر” مع تصاعد الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران وإسرائيل، واستهداف منشآت الطاقة الحيوية، وبينما تحصي الأطراف المباشرة خسائرها بمليارات الدولارات، تعيد القوى الكبرى (واشنطن وبكين) ترتيب أوراقها لمواجهة أزمة طاقة قد تكون الأعنف منذ عقود، في حين تبرز موسكو كلاعب يستفيد من “فوضى الأسعار”.
أولاً: إيران وإسرائيل.. نزيف المليارات تحت القصف
إيران: تواجه طهران “شلالاً من الخسائر” بعد تدمير مصافٍ وخزانات نفطية كبرى. فقدان تصدير 3.1 مليون برميل يومياً يعني جفاف المورد الأساسي للنقد الأجنبي، مما دفع الريال الإيراني لمستويات انهيار غير مسبوقة.
تقديرات أولية تشير إلى أن إعادة بناء البنية التحتية النفطية المحطمة ستحتاج لأكثر من 50 مليار دولار وعقود زمنية في ظل العقوبات.
إسرائيل: رغم تفوقها العسكري الناتج عن الدعم الغربي الكاسح، يرزح الاقتصاد الإسرائيلي تحت عبء تكلفة الحرب التي بلغت 2.9 مليار دولار أسبوعياً، شلل قطاع التكنولوجيا (قاطرة الاقتصاد)، وتوقف مصفاة حيفا عن العمل، وهروب الاستثمارات الأجنبية، وضع الميزانية العامة في حالة عجز حاد قد يدفع بالبلاد نحو ركود طويل.
ثانياً: الصين وأمريكا.. صراع الحسابات المعقدة
الصين (المتضرر الأكبر): بكين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني (نحو 1.5 مليون برميل يومياً)، انقطاع هذا الإمداد وارتفاع أسعار برنت فوق 88 دولاراً يرفع فاتورة استيراد الطاقة الصينية بمليارات الدولارات شهرياً، ويهدد نمو قطاع التصنيع الصيني، مما قد يجبر بكين على ضغوط دبلوماسية قصوى لتهدئة المنطقة.
أمريكا (مقامرة التضخم): تجد واشنطن نفسها في مأزق؛ فبينما تدعم إسرائيل عسكرياً، تخشى من “ارتداد الأسعار” على الداخل الأمريكي، ارتفاع سعر البنزين في المحطات الأمريكية يغذي التضخم ويضغط على البنك الفيدرالي، مما قد يجهض محاولات “الهبوط الناعم” للاقتصاد الأمريكي.
ثالثاً: روسيا.. “الرابح الأكبر” من فوضى الطاقة
تجد موسكو في هذه الحرب فرصة ذهبية لتعويض خسائرها الناتجة عن العقوبات الغربية:
1. ارتفاع المداخيل: كل دولار زيادة في سعر برميل النفط يضيف مئات الملايين لخزينة الكرملين.
2. البديل الجاهز: مع تعطل إمدادات الشرق الأوسط، تصبح الصين والهند أكثر اعتماداً على النفط الروسي، مما يمنح موسكو “نفوذاً جيوسياسياً” مضاعفاً.
3. تشتيت الانتباه: الحرب في الشرق الأوسط تسحب السيولة والدعم العسكري الغربي بعيداً عن الجبهة الأوكرانية.
رابعاً: الاقتصاد المصري ( المأزوم دائماً)
تُلقي الحرب الإيرانية-الإسرائيلية (مارس 2026) بظلال ثقيلة على الاقتصاد المصري، حيث تضع الموازنة العامة وحسابات الاستقرار المالي أمام تحديات معقدة نتيجة القفزات المفاجئة في أسعار الطاقة واضطراب الممرات الملاحية.
تأثيرات الحرب على الاقتصاد المصري:
1. ضغوط الموازنة وأسعار الوقود
ارتفاع عجز الموازنة: مع وصول أسعار النفط لمستويات 88 دولاراً (بينما الموازنة المصرية قد تكون مقدرة عند مستويات أقل)، يتوقع خبراء زيادة في عجز الموازنة تقدر بنحو 75 مليار جنيه نتيجة زيادة تكلفة دعم المواد البترولية المستوردة.
ارتفاع الأسعار: تضع هذه الضغوط الحكومة أمام سيناريوهات لرفع أسعار البنزين والسولار “قبل موعدها” لتقليص الفجوة التمويلية الناتجة عن الحرب، وهو ما قد حدث بالفعل، حيث أعلنت الحكومة المصرية عن رفع أسعار البنزين بأنواعه، وكذلك اسعار الغاز والبتوجاز والسولار.
2. قناة السويس والملاحة الدولية
انتكاسة التعافي: بعد أن بدأت القناة تشهد تعافياً تدريجياً في أوائل 2026، تسببت الحرب في إعلان بعض الخطوط الملاحية “تعليق عبورها” مؤقتاً خوفاً من التصعيد في البحر الأحمر.
تأثر الإيرادات: يرهن الخبراء استقرار إيرادات القناة بطول أمد النزاع؛ فاستمرار الحرب يعني بقاء حركة الملاحة عند مستويات منخفضة (أقل بنحو 60% عن معدلاتها الطبيعية)، مما يحرم الدولة من مورد حيوي للنقد الأجنبي.
3. قطاع الطاقة والغاز
واردات الغاز: تعتمد مصر على استيراد كميات من الغاز الإسرائيلي لتسييله وإعادة تصديره أو للاستهلاك المحلي. الضربات المتبادلة قد تعطل هذه الإمدادات، مما يسبب عجزاً في الطاقة المحلية وفقدان عوائد التصدير.
سلاسل الإمداد: تأثرت واردات سلع استراتيجية وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، مما ينبئ بموجة تضخمية جديدة تطال أسعار السلع الغذائية و السيارات.
4. الاستثمار وسعر الصرف
الهروب إلى الأمان: تسببت الحرب في خروج استثمارات أجنبية (“الأموال الساخنة”) من أدوات الدين المصرية لصالح الأسواق الأكثر أماناً، مما يضغط مجدداً على سعر صرف الجنيه أمام الدولار.
السياحة: التوترات الإقليمية الواسعة قد تدفع السائحين لإلغاء حجوزاتهم، مما يؤثر على نمو القطاع الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد.
خامساً: الاقتصاد العالمي.. شبح “الركود التضخمي”
يحذر المحللون من أن استمرار إغلاق أو تهديد مضيق هرمز يعني تعطل 20% من إمدادات الطاقة العالمية. هذا السيناريو لا يعني غلاء الوقود فحسب، بل ارتفاعاً جنونياً في تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة في أسعار الأسمدة والسلع الغذائية، مما يضع العالم أمام “عاصفة كاملة” من الركود التضخمي الذي لم يشهده منذ السبعينيات.
الخلاصة: العالم يقف على حافة الهاوية؛ فالمواجهة التي بدأت كصراع إقليمي، تحولت إلى “حرب استنزاف اقتصادية” عابرة للقارات، حيث يدفع المستهلك البسيط في بكين ونيويورك والقاهرة ثمن النيران المشتعلة في مصافي طهران التي اشعلتها جنون الآلة العسكرية الصهيوأمريكية.





















