في الحروب الكبرى لا تسقط الدول بالمدافع وحدها، ولا تُحسم الصراعات بالسياسة والدبلوماسية فقط. هناك حرب أخرى تجري في مكان أكثر خطورة، داخل عقل الإنسان، حيث تتصارع الصور والروايات والذاكرة، وحيث يستطيع مشهد واحد أن يهز رأيًا عامًا، أو فيلم واحد أن يعيد فتح ملف حاولت سنوات من الدعاية إغلاقه.
وهنا تظهر أهمية السينما باعتبارها واحدة من أدوات القوة الناعمة في الصراعات الدولية.
ما أثاره الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا»، بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، يتجاوز حدود العمل الفني نفسه. فالقيمة السياسية للمشهد أن رواية تكشف جانبًا من واقع الحرب في غزة خرجت هذه المرة من داخل المجتمع الإسرائيلي، ومن خلال مخرجين إسرائيليين، واستندت إلى شهادات من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.
وهذه ليست المرة الأولى التي يصل فيها صوت إسرائيلي ناقد إلى المنصات الدولية. لكن المفارقة الأهم أن القضية الفلسطينية، بكل ما تحمله من تاريخ وذاكرة ومآسٍ إنسانية، ما زالت في حاجة إلى مشروع سينمائي عربي قادر على الوصول إلى العالم، لا مجرد أعمال فردية تظل محصورة في نطاق محدود.
هنا يجب أن نتوقف.
فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد صراعًا على الأرض فقط، بل أصبح صراعًا على تعريف الأرض نفسها، وعلى من يكتب تاريخها، ومن يحدد صورة الضحية ومن يحدد صورة الجلاد، ومن يمتلك القدرة على تحويل الأحداث إلى ذاكرة جماعية.
ومنذ بدايات المشروع الصهيوني كان واضحًا أن معركة فلسطين لن تكون عسكرية فقط. فبناء الدولة ارتبط أيضًا ببناء رواية سياسية وتاريخية وثقافية تستطيع مخاطبة الغرب بلغته ومفرداته. ومع تطور وسائل الإعلام والسينما، تحولت الشاشة تدريجيًا إلى واحدة من ساحات الصراع.
وليس المقصود هنا أن كل ما قدمته السينما الغربية عن إسرائيل كان نتاج مؤامرة منظمة، فهذا تبسيط لا يخدم فهم القضية. لكن الحقيقة أن من امتلك مبكرًا أدوات صناعة الصورة استطاع أن يترك أثرًا في الوعي العالمي، بينما ظل الخطاب العربي في كثير من الأحيان أسير البيانات الرسمية والخطب السياسية وردود الفعل الموسمية.
وهذه واحدة من أكبر نقاط الضعف في إدارة معركة الوعي.
العرب يمتلكون المادة الإنسانية الهائلة التي تبحث عنها السينما العالمية.
هناك طفل فلسطيني ولد في مخيم ولم يعرف وطنه إلا من خلال حكايات الأجداد، وقرية هُجّر أهلها، وبيت ما زال مفتاحه محفوظًا رغم مرور عقود، وأسرة فقدت أبناءها، ومدن تغيرت ملامحها، وأجيال كاملة عاشت تحت الاحتلال والحصار والتهجير.
هذه ليست مجرد أحداث سياسية.
هذه مادة إنسانية قادرة على مخاطبة أي إنسان في العالم.
لكن المشكلة أننا كثيرًا ما تعاملنا مع هذه القصص باعتبارها شعارات سياسية، بينما يحتاج العالم إلى أن يراها كحكايات بشرية.
وهنا تكمن قوة السينما.
الصورة لا تقدم للمشاهد محاضرة في التاريخ، وإنما تجعله يعيش التجربة. يستطيع فيلم واحد أن يجعل شخصًا في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا يشعر بمعنى أن تفقد بيتك، أو أن ترى طفلك تحت الأنقاض، أو أن تعيش سنوات وأنت تحمل مفتاح منزل لم يعد موجودًا.
هذه هي القوة الناعمة.
وهذه هي المعركة التي يجب ألا نتركها للصدفة.
لقد تغير العالم كثيرًا بعد انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. لم تعد الصورة حكرًا على محطات التلفزيون الكبرى. المواطن الفلسطيني يستطيع اليوم أن يوثق لحظة وقوع الحدث ويرسلها إلى العالم في دقائق.
لكن توثيق الحدث شيء، وبناء الرواية شيء آخر.
التوثيق يقدم المادة الخام، أما السينما فتحول المادة إلى ذاكرة.
ولهذا فإن القضية الفلسطينية تحتاج إلى مشروع عربي طويل المدى، لا إلى رد فعل مؤقت مع كل حرب. مشروع يقوم على جمع الأرشيف، وحفظ شهادات الأحياء، وتصوير القرى والمدن، وتوثيق حياة اللاجئين، وإنتاج الأفلام الوثائقية والروائية، ودعم المخرجين الشباب، وفتح الطريق أمام هذه الأعمال إلى المهرجانات والمنصات العالمية.
فالمعركة ليست فقط على ما حدث، وإنما على ما سيبقى في ذاكرة الأجيال القادمة.
ومن هنا فإن ظهور فيلم إسرائيلي يكشف جوانب من واقع الحرب يجب ألا يكون مجرد مناسبة للاحتفاء بأن إسرائيليين قالوا ما لم يستطع العرب قوله.
بل يجب أن يكون سؤالًا عربيًا صريحًا:
لماذا لا نملك نحن مشروعًا قادرًا على رواية قصتنا؟
لماذا نمتلك تاريخًا من الأحداث والوثائق والشهادات، ولا نمتلك بالقدر نفسه صناعة قادرة على تحويلها إلى أعمال تصل إلى ملايين المشاهدين؟
ولماذا نترك أحيانًا للآخر أن يروي مأساتنا، ثم نغضب عندما تأتي الرواية ناقصة أو منحازة أو مشوهة؟
القضية الفلسطينية تحتاج إلى الإعلام، لكنها تحتاج كذلك إلى السينما والأدب والفن والمسرح والوثائقيات والأرشيف الرقمي.
تحتاج إلى أن تتحول الذاكرة من ملفات مغلقة إلى قوة ثقافية حاضرة في العالم.
وهذا لا يعني إنتاج أفلام دعائية تصرخ بالشعارات، لأن الفيلم الدعائي يخاطب من يؤمن به أصلًا، بينما الفيلم الإنساني الجيد يستطيع الوصول إلى من لا يعرف شيئًا عن القضية.
المطلوب أن نحكي القصة كما عاشها الإنسان الفلسطيني، بكل تفاصيلها وتناقضاتها وأوجاعها، وأن نضع المشاهد أمام الحقيقة دون افتعال.
ففي عالم اليوم، القوة الناعمة ليست ترفًا.
الدولة التي تنتج الأفلام، وتصدر الثقافة، وتملك المنصات، وتكتب الروايات، وتنتج الصور، تملك جزءًا من القدرة على تشكيل الوعي العالمي.
وهنا تتقاطع السينما مع الجيوسياسة.
فالخرائط لا تُرسم على الأرض فقط، وإنما تُرسم أيضًا في عقول الشعوب. وقد تستطيع القوة العسكرية السيطرة على مساحة جغرافية لفترة من الزمن، لكن السيطرة على الذاكرة أصعب وأطول عمرًا.
ولهذا فإن معركة فلسطين ستظل مفتوحة على جبهتين: جبهة الأرض، وجبهة الوعي.
وفي جبهة الأرض هناك المقاومة والصمود والدبلوماسية والقانون الدولي.
أما في جبهة الوعي فهناك الكلمة والصورة والفيلم والكتاب والوثيقة.
ومن يفرط في إحدى هذه الجبهات يترك مساحة لخصمه.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الكاميرا يمكن أن تكون جزءًا من الأمن الثقافي العربي، وأن الفيلم الوثائقي قد يصبح في بعض اللحظات أكثر تأثيرًا من مؤتمر سياسي كامل.
فالأرض تحتاج إلى من يحميها، والتاريخ يحتاج إلى من يوثقه، والذاكرة تحتاج إلى من يحملها، والرواية تحتاج إلى من يستطيع إيصالها إلى العالم.
فلسطين ليست قضية حدود فقط.
إنها قضية ذاكرة وهوية ورواية.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة لغة يفهمها العالم كله، فإن من يمتلك الكاميرا ويعرف كيف يستخدمها، يمتلك سلاحًا آخر في معركة الحقيقة.


















