الشرق الأوسط يقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة. تحركات عسكرية وتصريحات روسية وإشارات أمريكية وإسرائيلية واستعدادات بريطانية، كلها تفتح الباب أمام سؤال لا يمكن تجاهله.. هل نحن أمام حرب إقليمية كبرى قد تنفجر خلال الساعات أو الأيام الثلاثة المقبلة أم أن ما يجري جزء من معركة الضغط المتبادل قبل الوصول إلى تسوية في الغرف المغلقة؟
المشهد لا يحتمل التهوين ولا يسمح أيضا بالجزم بما لم تؤكده المعلومات الموثوقة. لكن المؤكد أن المنطقة تعيش حالة استنفار خطيرة وأن أي خطأ في الحسابات قد يحول المواجهة إلى حريق يتجاوز حدود إيران والخليج ليصل إلى أمن العالم واقتصاده.
الأخطر أن طهران لم تكتف بالتحذير من تداعيات أي هجوم جديد، بل لوّح مسؤولون بالحرس الثوري باستهداف سبعة كابلات رئيسية للإنترنت تمر تحت مياه الخليج ومضيق هرمز إذا تجددت الحرب. وهذا يعني أن المواجهة المحتملة لم تعد مرتبطة بالصواريخ والطائرات فقط، بل قد تمتد إلى شرايين الاقتصاد الرقمي والاتصالات والتحويلات المالية الدولية.
وفي المقابل تتزايد المخاوف من عودة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بينما تتجه بريطانيا إلى تعزيز دعمها الدفاعي للسعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين. أما موسكو فتدخل المشهد بتصريحات ومواقف ترفض التصعيد وتدعم موقف طهران، في وقت تتشابك فيه المصالح الدولية وتضيق فيه مساحة المناورة أمام الدبلوماسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه.. إذا كانت الولايات المتحدة تلوّح باستخدام أسلحة تدميرية هائلة، بينها ما يعرف إعلاميا بأم القنابل، فهل تدرك واشنطن أن أي ضربة واسعة لن تكون نزهة عسكرية، وأن الرد الإيراني قد يفتح جبهات متعددة ويضع الملايين من المدنيين أمام كارثة لا يمكن احتواؤها بسهولة؟
الشعوب العربية هي التي ستدفع الثمن الأكبر
فارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الملاحة واضطراب التجارة وتوسع دائرة النزوح والدمار ليست تفاصيل جانبية. إنها فاتورة حرب لا يقررها المواطن العربي، لكنه يتحمل نتائجها في قوت يومه وأمنه ومستقبل أبنائه.
وهنا لا بد من التوقف أمام سؤال أكثر إلحاحا.. أين تقف الدبلوماسية وسط هذا الضجيج العسكري؟ وهل تتحرك الاتصالات الإقليمية والدولية بالفعل لمنع الانفجار، أم أن الجميع يرفع سقف التهديدات لتحسين شروط التفاوض قبل اللحظة الأخيرة؟
من واقع متابعة تطورات الموقف على مدار الساعة، أرى أن جميع السيناريوهات ما زالت مطروحة، من احتواء التصعيد عبر تفاهمات عاجلة إلى استئناف الضربات واتساع نطاق المواجهة. لكن الحديث عن حرب مؤكدة خلال ثلاثة أيام يظل تقديرا لا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة.
قد تكون الساعات المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة القوى الكبرى على ضبط أعصابها، وقد تكون أيضا مرحلة لإعادة رسم خطوط القوة والنفوذ في المنطقة.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة.. من يملك قرار الحرب ومن يدفع فاتورتها؟
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مغامرة عسكرية جديدة، ولا إلى سباق في استعراض القوة، بل يحتاج إلى تسوية تمنع انهيار ما تبقى من استقرار المنطقة. فالحروب قد تبدأ بقرار في غرفة مغلقة، لكنها لا تنتهي عند حدود الغرف المغلقة.
والتاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي يعلن الجميع الاستعداد لها، بل تلك التي يعتقد أصحاب القرار أنهم قادرون على التحكم في نهايتها.

















