حين يتحدث فخامة الرئيس عن تطوير التعليم، فإن الرسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن التعليم ليس ملفًا إداريًا عابرًا، وإنما قضية تتصل بمستقبل أجيال كاملة، وبقدرة الدولة على بناء إنسان يمتلك العلم والمهارة والقدرة على المنافسة.
ولذلك كان لافتًا أن يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس، خلال اجتماعه برئيس مجلس الوزراء ومجلسي الوزراء والمحافظين وعدد من المسؤولين، ضرورة الاهتمام بجودة التعليم، مشددًا على أن بناء مصر وتحقيق الإصلاح والتطوير مسؤولية جماعية تقع على عاتق المسؤولين.
ومن هنا أطرح السؤال مباشرة على الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء: كيف نريد أن نطور التعليم، بينما لا يزال ملف التعليم المفتوح عالقًا عند نقطة كان يفترض أن تكون قد حُسمت بحكم قضائي؟
القضية ليست في الدفاع عن نظام تعليمي ضد آخر، وليست معركة بين التعليم المفتوح والتعليم التقليدي، وإنما القضية في شيء أكثر بساطة ووضوحًا: هناك أحكام قضائية صدرت، فمتى يتم تنفيذ آثارها القانونية في حدود ما قضت به المحكمة؟
في 26 نوفمبر 2025، رفضت المحكمة الإدارية العليا الطعنين المقدمين من وزير التعليم العالي ورئيس جامعة عين شمس بشأن الحكم الخاص بالشهادة الأكاديمية للتعليم المفتوح والتعليم المدمج، كما أيدت إلغاء قرارات المجلس الأعلى للجامعات فيما تضمنته من استحداث مسميات الشهادات المهنية، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فبعد أن تقول المحكمة كلمتها، لا يصح أن يتحول الحكم إلى بداية لجولة جديدة من المكاتبات والمذكرات والتفسيرات، وكأننا أمام مرحلة تقاضٍ أخرى داخل الجهاز الإداري.
الحكم القضائي ليس اقتراحًا يمكن قبوله أو رفضه، وليس توصية تنتظر موافقة جهة إدارية، وإنما هو حكم له آثاره القانونية التي يتعين التعامل معها وتنفيذها وفقًا للقانون.
والطالب في هذه القضية لا يريد أكثر من أن يعرف أين يقف.
طالب التحق بنظام تعليمي كان قائمًا، ودفع مصروفاته، وحضر محاضراته، وأدى امتحاناته، وربما قضى سنوات من عمره في الدراسة، ثم وجد نفسه فجأة أمام نزاع إداري وقانوني حول طبيعة الشهادة التي سيحصل عليها.
فهل يُعقل أن يتحول الطالب إلى طرف في خلاف لم يصنعه؟
هل يُعقل أن يدفع ثمن تغيير القرارات واللوائح والتفسيرات؟
وهل من المنطقي أن يظل خريج ينتظر معرفة مصير شهادته، رغم أن القضاء قال كلمته في النزاع؟
هذه ليست أسئلة انفعالية، وإنما أسئلة تمس جوهر الثقة في منظومة التعليم نفسها.
والأكثر أهمية أن الدولة تتحدث اليوم عن تطوير التعليم، وعن الجودة، وعن ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وعن إعداد أجيال قادرة على التعامل مع التطورات العلمية والتكنولوجية.
وقد وجه الرئيس السيسي في وقت سابق إلى مواصلة تطوير مختلف جوانب منظومة التعليم، وتحديث المناهج والكتب، وتأهيل الطلاب وفق أحدث المعايير، كما أكد في توجيهات أخرى ضرورة ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
إذن نحن أمام مسارين يفترض ألا يتعارضا: مسار تطوير التعليم للمستقبل، ومسار احترام الأحكام القضائية القائمة في الحاضر.
ومن الخطأ أن نضع الاثنين في مواجهة بعضهما.
من حق الدولة أن تطور التعليم، ومن حقها أن تعيد تقييم أي نظام أو برنامج أو مسار تعليمي، لكن تطوير المستقبل لا يعني تعليق حقوق من تحكمت أوضاعهم القانونية بالفعل في ضوء أحكام قضائية.
هنا يأتي دور الدكتور مصطفى مدبولي.
وأنا لا أطالب رئيس الوزراء بالتدخل في عمل القضاء، فهذا ليس دوره، وإنما أطالب بتدخل إداري يحسم حالة الالتباس، ويوجه الجهات المعنية إلى التعامل مع الأحكام القضائية بما يضمن تنفيذها في حدود منطوقها وآثارها القانونية.
لأن استمرار الملف بهذه الصورة يفتح الباب أمام سؤال أكبر: من المسؤول عن تحويل الحكم القضائي إلى إجراء تنفيذي واضح؟
هل تظل الجامعات تنتظر؟
هل يظل المجلس الأعلى للجامعات يبحث؟
هل يبقى الطالب بين خطاب إداري وخطاب قانوني؟
وإلى متى؟
المشكلة أن الوقت هنا ليس مجرد أرقام في ملف، وإنما سنوات من عمر طلاب وخريجين.
والطالب الذي ينتظر شهادة لا ينتظر ورقة فقط، وإنما ينتظر فرصة عمل، أو ترقية، أو استكمال دراسات عليا، أو تسوية وضع وظيفي، أو اعترافًا بمؤهل قضى سنوات للحصول عليه.
لذلك فإن أي تأخير في حسم الوضع التنفيذي للأحكام لا ينبغي النظر إليه باعتباره خلافًا إداريًا محدودًا، لأن له انعكاسات مباشرة على أشخاص وضعوا مستقبلهم في يد منظومة تعليمية يفترض أنها تعمل بقواعد واضحة ومستقرة.
ثم إن الحديث عن تطوير التعليم لا يكتمل بالحديث عن المناهج والذكاء الاصطناعي والرقمنة فقط.
التطوير الحقيقي يحتاج أيضًا إلى وضوح القواعد، واستقرار المراكز القانونية، واحترام الأحكام القضائية.
فلا يمكن أن نقول للطالب إننا نريد منك أن تكون مواطنًا يحترم القانون، ثم نتركه يتساءل لماذا لا يجد حكم القضاء طريقه إلى التنفيذ.
ولا يمكن أن نتحدث عن جودة التعليم، ثم نترك خريجًا يبحث عن إجابة حول قيمة شهادته أو وضعها القانوني.
يا دكتور مدبولي، الملف لا يحتاج إلى معركة جديدة، وإنما يحتاج إلى قرار إداري واضح.
ولا يحتاج الطلاب إلى وعود جديدة، وإنما إلى معرفة ما الذي سيتم تنفيذه، ومتى، وكيف.
ولا أطالب بإعادة نظام تعليمي لمجرد إرضاء طرف، ولا أطالب بإلغاء تطوير الدولة لمنظومة التعليم، وإنما أطالب بأن يكون التطوير متسقًا مع القانون، وأن تكون الأحكام القضائية محل احترام وتنفيذ، وأن يعرف كل طالب وخريج أين يقف.
الرئيس عبد الفتاح السيسي يقول إن تطوير التعليم مسؤولية جماعية، وهذه المسؤولية تبدأ من الطالب وتنتهي عند المسؤول عن اتخاذ القرار.
والدكتور مصطفى مدبولي، باعتباره رئيسًا للحكومة، يملك أن يجمع الجهات المعنية حول ملف واضح، وأن يطلب تحديد الموقف التنفيذي للأحكام، وأن يضع حدًا لحالة الانتظار التي طالت.
فالمطلوب ليس خصومة مع الوزير، ولا صدامًا مع الجامعة، ولا التشكيك في نيات أحد.
المطلوب ببساطة أن ينتصر القانون على حالة الالتباس.
أن يكون الحكم حكمًا، لا ورقة في ملف.
وأن يكون تطوير التعليم تطويرًا حقيقيًا، يبدأ من احترام الطالب، ويحمي مستقبله، ويضع القاعدة القانونية فوق الحسابات الإدارية.
فخامة الرئيس يطالب بتطوير التعليم، ورئيس الحكومة أمامه ملف ينتظر الحسم، وطلاب التعليم المفتوح والمدمج ينتظرون تنفيذ ما صدر من أحكام في شأن أوضاعهم.
والرسالة هنا ليست معقدة: إذا كان الهدف هو بناء منظومة تعليمية حديثة، فإن احترام القانون جزء من حداثتها، وتنفيذ الأحكام جزء من قوتها، وحماية الطالب جزء من نجاحها.
الحكم صدر..
والتطوير مستمر..
ويبقى التنفيذ هو الاختبار الحقيقي لقدرة المنظومة على الانتقال من الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة الإصلاح.






















