تتصاعد الضغوط الدبلوماسية والحقوقية في الأوساط العالمية بضرورة حسم ملف مراكز الاحتجاز التابعة لتنظيم البوليساريو الانفصالي في الجنوب الغربي للجزائر وتفكيكها بشكل كامل. ويأتي هذا الحراك في ظل تحولات جيوسياسية كبرى تشهدها المنطقة، حيث بات تفكيك هذه التجمعات أولوية إستراتيجية لواشنطن لضمان تفعيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو الحل الذي تراه الأمم المتحدة المسار الوحيد والنهائي لإنهاء هذا النزاع المفتعل.
كشف مراقبون سياسيون أن بقاء الوضع الراهن في مخيمات تندوف لم يعد مقبولا، كونه يمثل خرقا صريحا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف للاجئين. وتواجه السلطات في الجزائر انتقادات لاذعة جراء عرقلتها المستمرة لعمليات إحصاء السكان، وهو ما تراه الأوساط الدولية محاولة لتوظيف معاناة المدنيين كأوراق ضغط سياسي، بينما تتهرب الإدارة الجزائرية من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الأفراد المتواجدين فوق ترابها الوطني.
الحسم الأمني وقطع أذرع الإرهاب
تؤكد تقارير أمنية رفيعة المستوى أن استمرار هذه المساحات المغلقة والخارجة عن الرقابة المؤسساتية يغذي الجماعات المسلحة في منطقة الساحل. وترصد الدوائر الغربية ارتباطات مشبوهة بين عناصر التنظيم الانفصالي وشبكات تهريب السلاح والمخدرات، وصولا إلى تحالفات مع تنظيمات متطرفة وأذرع تابعة للحرس الثوري الإيراني، مما يجعل تفكيك المخيمات ضرورة ملحة لحماية الأمن الإقليمي والدولي وتجفيف منابع تجنيد المقاتلين.
تفتقر البيئة الداخلية لتلك المخيمات إلى أدنى معايير الرقابة الطبيعية، حيث يعيش السكان حالة من العزلة والفقر المدقع وتراجع الخدمات الصحية، وسط استغلال بشع للمساعدات الإنسانية. ويرى الخبير عبد الفتاح الفاتحي أن إصرار الجزائر على ترحيل هؤلاء السكان نحو مناطق عازلة هو اقتراح مسيس يهدف لإطالة أمد النزاع، في حين تضغط واشنطن لرفع يد الإدارة الجزائرية عن المحتجزين لعزل الكيان الانفصالي تمهيدا لتصنيفه تنظيما إرهابيا.
إنهاء ورقة الابتزاز السياسي
يشير الباحث محمد سالم عبد الفتاح إلى أن التوجه العالمي الجديد يركز على معالجة جذور الأزمة عبر تفكيك البنية التنظيمية للبوليساريو التي تسيطر على قاطني المخيمات منذ عقود. إن التحرك نحو الإغلاق النهائي لهذه المراكز ينهي عقودا من المتاجرة بالملف الإنساني، ويضع الجزائر أمام مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، خاصة مع تزايد القناعة الأممية بأن مبادرة الحكم الذاتي هي السبيل الوحيد لضمان كرامة السكان وإعادة إدماجهم في وطنهم.
تتجه الأنظار الآن نحو مجلس الأمن لفرض آليات رقابة صارمة تضمن حماية الحقوق الأساسية للمحتجزين بعيدا عن هيمنة السلاح. إن نجاح سيناريو التفكيك يرتبط بوجود إرادة دولية قوية لكسر الجمود الذي تفرضه الدولة المستضيفة، وهو ما بدأ يتبلور بالفعل من خلال المواقف الأمريكية والأوروبية الأخيرة التي تدفع نحو حل واقعي وعملي ينهي أطول نزاع إقليمي في القارة الإفريقية ويحقق الاستقرار والتنمية.





















