الكل يكتب ويتحدث عن المجال السياسي والأمني والعسكري حول قطاع غزة لكن لم يكتب عن المجال الأهم وهو الوضع الإنساني المنكوب في القطاع والذي هو أهم من أي مجال آخر حاليا، حيث نالت الأزمات الإنسانية في قطاع غزة النصيب الأكبر ووصفت بأنها أعمق أزمة مرت على قطاع غزة خلال الحروب السابقة، وهذه الحرب فاقمت الوضع الإنساني الهش في القطاع ووصفت بأنها أسوأ كارثة إنسانية في العالم؛ لما يحدث من إبادة جماعية وارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين.
إن ما حدث ويحدث في قطاع غزة أدى إلى وضع إنساني بالغ التعقيد يتمثل في تصفية القطاعات المختلفة من القطاع الصحي والمعيشي والزراعي وتدمير البنية التحتية وإنهاء مقومات الحياة عن عمد لترسيخ أن غزة غير صالحة للحياة وأن الهجرة الطوعية أفضل من العيش في القطاع المدمر في أذهان مواطنيها.
أدت الحرب إلى تآكل البنية الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي بصورة غير مسبوقة ناهيك عن نزوح آلاف من المواطنين ما أدى إلى تعقيد المشهد الإنساني بسبب استمرار القصف الجوي وتعميق الأزمة الإنسانية بشكل مقصود.
إن الوضع الإنساني يتفاقم نتيجة تعنت الاحتلال، وإصراره على عدم وقف إطلاق النار ناهيك عن قلة الإمكانيات الغذائية والصحية والوقود ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والمواد التموينية التي باتت تُرهق المواطن في قطاع غزة نتيجة غياب الرقابة وظهور تجار الحروب التي فاقمت من تدهور سوء الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع.
النزوح مُعضلة
إن قضية النزوح في قطاع غزة تُشكل مُعضلة خاصة مع محدودية مساحة القطاع، فأغلب النازحين تموضعوا حاليًا في منطقة رفح جنوب القطاع وهي لا تتسع للعدد الكبير من النازحين، وبقاء حالة النزوح المستمرة ستُحول قضية النزوح من البُعد محلي إلى البُعد الدولي عندما تتحول إلى قضية لجوء، عسكرية وأمنية أكثر من كونها إنسانية؛ فاللجوء القسري سيُضرر الأمن القومي سواء لمصر أو الدول الأخرى التي ستستقبل اللاجئين،
مشكلة اللجوء طيلة تجارب الحروب والأزمات العالمية المختلفة لم تحل بعد انتهاء الحرب بل تصبح عبئاً وعالة اجتماعية واقتصادية وأمنية على الدول المُستقبلة للاجئين.
تعد أوضاع النازحين في القطاع هي الأسوأ على الصعيد العالمي، مليونين وأكثر من المواطنين نزحوا من منطقة إلى أخرى بسبب استمرار الحرب على القطاع ناهيك عن عدم قدرة المواطنين على العودة إلى أماكن سكناهم نظرا لتموضع الاحتلال فيها وتحويلها إلى مناطق أمنية عازلة، والتمركز على الحدود يعني تحويل القطاع إلى منطقة محاصرة أمنيا بشكل شامل من قبل الاحتلال كما الضفة الغربية.
إن وجود الخيام في المنطقة الجنوبية خلقت تغييرًا كبيرًا قسريًا على الخارطة الديمغرافية في القطاع وتحولات في البنية الاجتماعية والاقتصادية، إن المواطن الذي كان يزرع قطعة أرض بات اليوم لا يجد مجالاً للتحرك من أجل إعادة صياغة العمل نتيجة انعدام الأمن في المناطق التي كان تُزْرَع أو الاستفادة منها، حيث بات 98% من سكان القطاع بلا عمل والكل ينتظر المساعدات والإعانات من قبل المنظمات الدولية أو العربية.
الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في غزة
لا شك في أن الحرب على القطاع القت بظلال مؤلمة أصابت البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع ما شكل تحديًا للمواطنين على التكيف مع هذه الظروف في البيئة الجديدة «الخيام» أمام غياب الوضع الطبيعي للمسكن وبالتحديد وجود دورات المياه التي سيُعاني المواطنون من قلتها ما ينعكس على النظافة وانتشار الأمراض المعوية.
إن بُنية المجتمع في القطاع بُنيت على مجموعات تربط بينها أواصر القربى والدم والمصالح المشتركة ولم يكن هناك ما يعكر صفو العلاقات الاجتماعية ولكن تفاقم المشاكل وامتداد الحرب ستتآكل فيها مقدرة الإدارة لمصالح المواطنين هذا يخلق فوضى داخلية وسيؤدي إلى صراعات داخل الخيام بسبب التمييز في إعطاء المساعدات بين فرد وآخر ما يخلق تكيفًا سلبيًا للنازحين يتمثل في الصدمة النفسية القوية التي تعرضوا لها جراء الحرب وأن بعض الناس فقدوا أقاربهم وهناك من قتلت عائلته أمام عينه فهذه التجارب تترسخ في الذاكرة وتترك آثارا يصعب التخلص منها نهائياً والنظام الاجتماعي والاقتصادي سيهتز بسبب فقدان كسب العيش وانعدم مصادر الدخل والصدمات النفسية.
وضع النساء والأطفال في غزة
سبعون بالمئة من الشهداء والجرحى كانوا نساءً وأطفالًا، وهذا الاستهداف المتعمد يهدف إلى محاولة إنهاء الحالة المستقبلية للقطاع.
المرأة في غزة تعاني بسبب غياب الواقع الصحي وغياب حقوق الحماية والرعاية والاحتياجات الإنسانية الضرورية فهناك نساء غاب عنها المُعيل الأول بسبب الاستشهاد وهذا يضاعف معاناة المرأة في القطاع ناهيك عن ضعف وصولها إلى الموارد والتحكم فيها وإعاقة الوصول إلى الخدمات من مياه نقية وتعليم أطفالهن ناهيك عن تعقيدات الحمل والولادة لغياب المستشفيات والمراكز الطبية في.
إن استمرار حالة سكن الخيام واستمرار الحرب سيُؤدي مستقبلاً إلى تفشي الأمراض وتفاقم الوفيات بسبب الأمراض فالخيام تفتقر إلى المراحيض ما يعرض النساء للإصابة بأمراض نسوية بسبب غياب الممارسات الصحية ناهيك عن النساء المرضعات يعانين صعوبة بسبب سوء التغذية واضطرابات الحالة النفسية.
غياب دور الفاعلين
غياب واضح للمسؤولية الدولية في حل مشكلة النازحين وغياب واضح لمؤسسات المجتمع المدني وقلة المساعدات التي تُقَدَّم للقطاع يُنذر بخطورة الوضع الإنساني التي لن يقف عند حد قضية محلية بل سيصبح مشكلة دولية بعد تحول القطاع إلى مدينة أشباح بسبب انهيار الخدمات بشكل تام، لا غذاء ولا ماء ولا دواء ولا اتصالات فقد الناس كل ما يملكون وتخلى العالم عنهم وحرموا حتى من العيش الآمن في القطاع.
الوضع الإنساني يقترب من نقطة اللاعودة ولحظة الانهيار باتت على المحك إذا لم ينظر العالم إلى الوضع المدني فهو المستهدف الأول لتحقيق الهدف الضمني وهو التهجير وتفريغ القطاع من المواطنين.





















