تتجه أنظار العالم إلى قلب أوروبا إلى ألمانيا الدولة القائد صاحبة أقوى ثالث اقتصاد في العالم التي روعت العالم بقواه العظمى في حربين عالميتين.
بعد أربع سنوات من الحرب الروسية الأوكرانية أدركت أوروبا أنها عرضة للاستنزاف بسبب الحرب في مواجهة روسيا من جانب، وبسبب دفع أمريكا القارة العجوز لخوض الحرب بغرض استنزافها من جانب آخر.
نزفت أوروبا اقتصاديا وكانت تعتقد أن الحرب ضد روسيا ستمر بسهولة بسبب العقوبات الاقتصادية عليها , لكن روسيا كانت أعدت عدتها ورسمت سيناريوهاتها لمواجهة كل الاحتمالات ولذلك ستخرج من الحرب منتصرة في جميع المجالات عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا.
لم يعد أمام أوروبا إلى وضع ألمانيا ف مقعد قيادة القارة للحماية من فكي الرحى , الروسي والأمريكي . ليس سوى ألمانيا القادرة على القيام بهذا الدور . فما الذي يحدث في بلاد الراين والرايخ ؟ انقلاب صامت في ألمانيا لكنه جذري , قاطرة الاقتصاد الأوروبي تتجه إلى اعتناق فكر التخطيط المركزي , وإشراك العسكريين في الإدارة واستبدال صناعة الدبابات بصناعة السيارات . الحكومة الألمانية ترى أن صناعة السلاح أكثر جدوى في إنتاج الوظائف وكذلك في بناء استقلال عسكري ألماني أوروبي . تتوافق هذه التوجهات مع تكرار أمريكا دعوتها لألمانيا لأن تتكفل بالدفاع عن نفسها , في تغيير كبير لمبدأ استمر منذ ما يقرب من 80 عاما – زمن الحرب العالمية الثانية – , حيث حظر على ألمانيا النهوض عسكريا إلا في الأطر التي حددها الحلفاء وقتها .
أمر آخر يحدث في ألمانيا , السماح للسينما الألمانية بإنتاج أفلام تمجد بطولات جنودها في الحروب العالمية وغيرها . وهو أمر جديد على العالم الذي عرف عن تلك الحروب من خلال السينما الغربية , خاصة الأمريكية التي مجدت كل ما هو من الحلفاء وذمت كل ما هو من ألمانيا حتى بطولات جنودها وقادتها الأفذاذ . لقد شربنا المعرفة التاريخية عن الحرب من أفلام مثل مدافع نافارون , وإنقاذ الجندي ريان , والهروب الكبير وغيرها , والآن سيكون لدينا رؤية أخرى لبطولات الجنود الألمان من وجهة نظر ألمانية .
ما تقوم به السينما الألمانية اليوم ليس إعادة كتابة لتاريخ الحرب بالمعنى السياسي أو الأكاديمي الصارم ، إنما انتقال محسوب من موقع الصمت الطويل إلى موقع الكلام المشروط، من الاكتفاء بدور المتهم التاريخي إلى استعادة الصوت دون البراءة الكاملة . لأن التاريخ من وجهة نظر الحلفاء ، لم يتغير , فألمانيا النازية هي من أشعلت الحرب، وارتكبت جرائم كبرى، وخسرت المعركة , ما تغير زاوية النظر، لا النص الأصلي. السينما لا تمحو السردية السابقة ولا تناقضها، لكنها تتسلل إلى الهوامش التي أهملتها رواية المنتصر، لتسأل عما جرى داخل الجسد الألماني نفسه، داخل الخنادق والسفن والغرف المغلقة، حيث عاش الجنود والمدنيون الحرب لا كملحمة توسع بل ككارثة وجودية.
هذا التحول يحمل في طياته بعدا سياسيا عميقا، حين تسمح ألمانيا لنفسها بأن تحكي حروبها من الداخل، فهي لا تستطيع أن تطلب الصفح ولا تبرر ما حدث ، لكنها ترفض أن تبقى إلى الأبد مجرد موضوع في خطاب الآخرين . أي الرواية الأمريكية التي هيمنت لعقود ولم تكن مجرد رواية سينمائية بل خطابا سياسيا قدم الحليف بوصفه حامل الخير المطلق، وقدم الألماني كرمز للشر المحض .
إن السرد الألماني الجديد لا يعد تمجيدا عسكريا , لكنه تمجيد من نوع مختلف، خافت . لا يمجد الحرب بوصفها خلاصا ولا الجندي بوصفه فاتحا، بل يعيد تقديمه ككائن محاصر بالواجب والخوف والانضباط، يؤدي دورا داخل منظومة أكبر منه، وغالبا ما تسحقه . البطولة هنا ليست في القتل ولا في النصر، بل في الصمود، وفي البقاء إنسانا وسط ماكينة لا إنسانية. وهذا التمجيد، وإن كان موجودا، لا يتجه نحو الأيديولوجيا بل نحو التجربة الفردية ، على عكس النموذج الأمريكي الذي يربط البطولة بالانتصار وبالرسالة الأخلاقية العابرة للحدود.
ليس من السهل فصل التحول الألماني عن اللحظة الأوروبية الراهنة، حيث عادت الحرب إلى الجغرافيا القريبة مع الصراع الروسي الأوكراني، وعادت معها أسئلة القوة والردع والجيش والهوية. في هذا السياق، تبدو السينما الألمانية كأنها تمهد نفسيا وثقافيا لإعادة تعريف موقع ألمانيا داخل أوروبا، لا كقوة معتدية سابقة يجب تحييدها دائما، بل كدولة واعية بماضيها وقادرة على حمل السلاح دفاعا دون أن تسقط في جنون التفوق أو الحنين الإمبراطوري. السرد السينمائي هنا لا يسبق السياسة فقط، بل يرافقها، ويهيئ الوعي الجمعي لقبول واقع أكثر تعقيدا مما سمحت به أخلاقيات ما بعد الحرب الباردة.
أما على مستوى الأجيال الجديدة، فالتأثير بالغ الحساسية. هذه الأجيال لم تعش الذنب، لكنها ورثته سرديا، وهي اليوم تبحث عن علاقة أكثر توازنا مع تاريخها، علاقة لا تقوم على الإنكار ولا على جلد الذات الدائم. السينما تمنحها هذا التوازن الهش، لكنها في الوقت نفسه تضعها على حافة خطر دائم , خطر أن يتحول الفهم إلى تعاطف غير مشروط، وأن يتحول التعاطف إلى تطبيع، وأن يصبح الماضي العسكري مألوفا أكثر مما ينبغي.
ما نشهده ليس تحديا للرواية الأمريكية بقدر ما هو إعلان ضمني بأن احتكار الذاكرة لم يعد مقبولا ، وأن سرد الحرب لا يكتمل إلا حين تسمع أصوات المهزومين ، ليقولوا إن التاريخ، مهما بدا محسوما، يظل مساحة صراع رمزي مفتوح، وأن السينما هي إحدى ساحاته الأكثر تأثيرا.
الفرق بين ألمانيا اليوم وألمانيا زمن الحربين العالميتين ليس تبدلا في الوجوه فقط بل انقلابا في البنية العميقة التي تنتج الدولة والقرار والعسكر والإنسان. ما يبدو في الظاهر أنه استمرارية قومية هو في الجوهر قطيعة تاريخية شاملة، قطيعة تم بناؤها ببطء ووعي وخوف من التكرار.
ألمانيا في الحربين كانت مشروعا أيديولوجيا يرى في القوة وسيلة لتصحيح التاريخ وإعادة تشكيل الجغرافيا والإنسان. الدولة آنذاك كانت تحتكر الحقيقة وتطالب الفرد بالذوبان الكامل في رسالتها. في الحرب العالمية الأولى كان هذا المشروع قوميا إمبراطوريا وفي الثانية تحول إلى مشروع شمولي عنصري يرى في الحرب ضرورة وجودية لا خيارا سياسيا. الدولة كانت أعلى من المجتمع، والعسكر كانوا ذراعها المقدسة، والسياسة كانت امتدادا مباشرا للقيادة العسكرية أو خاضعة لها، أما الفرد فكان وقودا مشروعا للتاريخ.
أما الدولة في ألمانيا اليوم , لم تعد غاية بل إطارا قانونيا مقيدا، محكوما بدستور يمنع عودة الدولة المطلقة . السلطة موزعة، والقرار العسكري خاضع لرقابة صارمة، والجيش ليس مؤسسة فوق المجتمع بل جزءا منه وتحت مساءلته. لم يعد العسكري رمزا للهيبة القومية، بل موظفا عاما يحمل سلاحا للدفاع عن وطنه .
نرشح لك.. حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: مصر في قلب العاصفة






















