كان الرئيس العراقي السابق هو حاكم دولة عربية عريقة لمدة تزيد علي عقود ثلاثة، ازدحمت شوارع بلاده طوال هذه السنوات بمئات الآلاف من المصفقين المهللين الصارخين بإسمه، أطل بوجهه الباسم عليهم من شاشات التليفزيون وصفحات الصحف كل صباح ومساء وهو يمني شعبه بالزمن السعيد.
تغني بإسمه آلاف التلاميذ في المدارس، أطلق الأباء اسمه علي آلاف الأبناء، كان الزعيم الذي يجد كل من حوله مسبحاً بإسمه، فكل كلمة تخرج من بين شفتيه هي الحكمة المصفاة، وكل خطوة يخطوها تتجه حتماً إلى نصر جديد.
هل كان يمكن له – إنسانياً – أن يكذب ما يراه وما يسمعه من آيات التأييد التي يتلوها عليه ليل نهار رجال أكاديميون وسياسيون وشعراء وعسكريون؟
أن كل شئ حوله كان يدفعه دفعاً إلي الذري، فحين شن الحرب الضروس المهلكة ضد إيران، قالوا عنه ما قالوا داخل العراق وخارجه، قالوا أنه حارس البوابة الشرقية للأمة العربية، قالوا أنه الزعيم القائد، قالوا عنه كل ما يحول الإنسان البسيط إلي إله، فما بالكم برجل له صفات وطموح صدام؟.
لقد تحول صدام فجأة إلي حلم الفقراء في أكواخ موريتانيا، وحامي الثكالي والأيتام في حواري الضفة الغربية وغزة، أصبح في فترة زمنية صورة صلاح الدين الذي تنتظره القدس.
ثم فجأة، أطل علينا صدام آخر من شاشات التليفزيون ..
صدام منكسر ذليل يبدو طيعاً وديعاً بين أيدي آسريه، يحركونه ذات اليمين وذات الشمال كدمية لا حول لها ولا قوة، أنها لحظة الحقيقة الكاشفة، في لحظة الحقيقة الكاشفة تكون الصدمة العنيفة، حين ينكشف المستور وجزء من الخفايا.
ومع ذلك وجدنا من يبكي غير مصدق مشهد صدام الأخير، بل خرجت بعض المظاهرات في بغداد نفسها وتحت سنابك دبابات الغزاة تهتف:” بالروح بالدم .. نفديك يا صدام !!” ، ولذلك أيضاً كتب من كتب وقال من قال : ” ليته قاتل أو إنتحر ” ..
حتي خصومه لم يشرفهم ذلك المشهد ، ليس لأنهم كانوا يعشقونه بشكل خفي أو لمرض نفسي ما ، وإنما لأنه لو كان ذلك الشخص الذي ظهر مهزوماً علي شاشات التليفزيون هو خصمهم الجبار اللدود – كما ادعوا – علي مر السنين الطوال ، فما أهونهم لأن قيمة المرء تقاس أيضاً علي مقاس خصمه ، فإذا كانت هذه هي حقيقة حال خصمهم الذي قهرهم – كما قالوا – ردحاً من الزمن ، فأن الإستنتاج المنطقي هو أنهم أدني كثيراً منه ، وذلك هو التفسير الوحيد لأمنية الخصوم الذين قالوا بأنهم كانوا يفضلون لو أنه قاتل أو أنتحر …
أنها صناعة الوهم وإحتراف الخوف ، فنحن نخترع العفريت الذي نخاف منه ، نحن الذين نصنع الأصنام بأيدينا ثم نسجد أمامها كي نعبدها ، المشكلة لم تكن في الزعيم وإنما المشكلة في ” خداع النفس ” ..
لا يمكن أن يكون صدام هو فقط ذلك المشهد الأخير الذليل الكسير الخائف ، مثلما لم يكن هو تلك الصورة الدافقة بالبطولة الأسطورية والقدرة الخارقة ، فذلك هو الوهم الذي نسكبه علي الأشياء والأشخاص والأحداث كي نهرب من الواقع ، واقعنا وواقع من حولنا ، وهي جزء من المحنة الحقيقية للمجتمع العربي كله ، ذلك المجتمع الذي أصبح يبدو وكأنه لا يخجل من عجزه ومن نفاقه وكذبه ، يستمرئ الوهم والأحلام عوضاً عن كل ذلك .. ثم في لحظة الحقيقة يواجه الصدمة بالإيغال في الوهم والعبث.
اقرأ أيضًا: معصوم مرزوق لـ«الحرية»: حان وقت تحرك الدبلوماسية العربية والإسلامية لسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني






















